وانظروا إلى قصّة أبي سفيان عندما ذهب إلى الشام في رحلته التجاريّة والتقى بهرقل عظيم الروم، والقصة في صحيح البخاري في باب (كيف كان بدء الوحي) ، والقصّة ستأتي معنا بطولها ولكن محلّ الشاهد هنا هو ما قاله هرقل بعد أن سأل أبو سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجابه أبو سفيان عليها، فقال هرقل في آخر كلامه:"فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدميّ هاتين". [1]
وهرقل كان من علماء النصرانيّة، وكان يعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - باسمه وبوصفه وبرسمه، وكان يترقَّب بعثه، إلّا أنّ الخبيث ضنّ بملكه، فالشاهد قوله لأبي سفيان:"فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين"، فأبو سفيان الجاهليّ قبل الإسلام -وشتّان بين الاثنين- كان ينظر للروم نظرة حكّام هذا الزمن لأمريكا والغرب وأنهم إذا أرادوا شيئًا فإنّما يقولون له كن فيكون، فتعجبّ أبو سفيان وخرج يحدّث نفسه: ألهذه الدرجة يخاف هرقل من محمّد! فلم يتقبّل هذا بعقل وماديّته وبكفره -قبل إسلامه رضي الله عنه-.
نفس المعنى يُردَّد اليوم في السرّ والعلن لدى هذه الأنظمة وما يدور في فلكها؛ فعندما نتحدّث عن سقوط الغرب وعن سقوط أمريكان وعن انحدار وانهيار هذا التحالف الصليبي اليهوديّ العالمي؛ ينظرون إليك نظرة أقلّ ما فيها السخرية والشفقة عليك، ويقولون:"ما هذا؟ أتقول أن أمريكا تسقط؟!! ما هذه الدروشة". فبالفعل هم عبدوا أمريكا من دون الله ربّ العالمين.
والذي رأى مهزلة حرب الخليج يرى هذه المسألة بمنتهى الوضوح، فكانوا حكّامًا وشعوبًا يهرولون في رضى أمريكا، وكانوا يصرّحون أنّ الأمر بإرادة أمريكا، كما قال قائلهم:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
وهم كذلك قالوا هذا المقولة لأمريكا، حكّامًا وشعوبًا إلّا من رحم ربّي، وقال قائلهم:"أمريكا إذا أرادت لشيء أن يكون فيكون"، وذكرت لكم في الدرس الماضي أننّي سمعت لأحدهم قصيدة كنت أظن قُبيل نهايتها بقليل أنّها مدح للذّات الإلهيّة، وفي النهاية اكتشفت أنّها مدح لبوش، أضفى صاحبها -هذا الزنديق- على (بوش) صفات الألوهية وصفات الربوبيّة والأسماء والصفات.
(1) صحيح البخاري (7) .