منها اثنان يعرفان بالراوند القديم وواحد يعرف بالرواند الجديد، والمعروفان بالقديم أحدهما يعرف بالراوند الصيني والآخر يعرف بالراوند الزنجي، والمعروف بالجديد يعرف بالراوند التركي والفارسي، وأما الرابع فإنه يعرف بالراوند الشامي، فأما في القديم فكان ينطلق على شيئين: أحدهما ما ذكره ديسقوريدوس في المقالة الثالثة، وجالينوس في المقالة الثامنة من كتابه في قوى الأدوية المفردة، وسنبين فيما بعد أنه الصنف المعروف عندنا بعينه، والآخر ما ذكره جالينوس في المقالة الأولى من كتابه في الأدوية المقابلة للأدواء المعروف بكتاب المعجونات. وهذا لم أره ولا لقيت من ذكر أنه شاهده غير رجل أعجمي من أهل المشرق، وقد حضر إلى سوق العطارين بمصر منذ سنين، وذكر أن عنده منه شيئًا، فلما أحضره إليّ وجدته عصارة قد عملها على جهة الدرمكة من الراوند الصيني، فأما الراوند الصلب المعروف بالصيني فهذا الصنف يجلب إلينا من بلاد الصين، ويذكر جلابوه أنه أصل نبات يشبه القلقاس إذا استخرج من الأرض، وهو رطب يتشقق الأصل منه قطعتين أو ثلاثًا وتثقب القطع وتنظم في الخيوط وتعلق في الهواء حتى تجف وتحمل. وذكر جالينوس أن من باعته في معدنه من يأخذ رطبه فيطبخه بالماء إلى أن تخرج عصارته ويجففه بعد ذلك ويبيعه على أنه بحاله، والذي نشاهده نحن منه أنه قطع خشب ضخمة قدر القطعة منها كالكف أو دونه، ولون ظاهرها أغبر مع حمرة قانية، ولون مقطعها أصفر خلنجي، وربما مال قليلًا إلى الخضرة والغبرة، وجوهرها إلى الفة والرخاوة والهشاشة، وإذا مضغ منه شيء تبينت منه لزوجة ظاهرة، وإذا تطعم به وجد فيه قبض ضعيف ومرارة وحدّة وحرافة خفية وإن أخذ شيء من ممضوغه وتمسح به على موضع من اليد صبغه بصفرة زعفرانية وهو مما يستاس وينخر سريعًا، ولذلك صار جلابوه يلقون معه في الأوعية التي يجلبونه فيها الماميران الصيني ليحفظه من ذلك، كما يلقون الأملج مع التربد والفلفل مع الزنجبيل، وأفضله ما كان في جوهره ليس بمتكاثف، وكان القبض في طعمه ليس بالقوي وكان مقطعه مصمتًا سالمًا من السوس خلنجيّ اللون، وكانت فيه بعض اللزوجة المذكورة عند المضغ، وكان اليسير من الممضوغ منه قوي الصبغ، ولذلك فإن تكاثف جوهره وقوة قبضه يدلان على أنه قد غش بما تقدم ذكره من استخراج عصارته بالطبخ فقلت: لذلك فيه المائية والهوائية، وغلبت عليه الأرضية وسلامة مقطعه من السوس واللزوجة يدلان على حداثته وبقاء رطوبته، وقوة خلنجيته ولون مقطعه، وقوّة صبغه يدلان على بلوغه وانتهائه إلى تمام نضجه في منبته، وأما ميله إلى الخضرة والغبرة فيدل على نجاحه ونهوه واجتناثه قبل كماله، وأما الراوند المعروف بالزنجي فإن هذا الصنف يجلب إلينا من بلاد الصين، وإنما سمي زنجيًا لسواد لونه لا لمعدنه، ويشابه الصيني المقدم ذكره في أشكال قطعه ومقاديرها ولزوجته وطعمه ويخالفه في الهشاشة والخفة واللون، لأن هذا ثقيل صلب عسر المضغ، والرض مدمج أسود اللون مقطعه يشبه مقطع القرن الأسود أو خشب الأبنوس أو الساسم وهو أيضًا مما يستاس سريعًا وينخر، وأفضله ما لا يستاس، وكان أقل ثقلًا وصلابة، وأما الراوند المعروف بالتركي والفارسي فإنهما يجلبان إلينا من جهة بلاد الترك وأرض فارس وهو أيضًا على ما سمعته ممن يوثق به أنه من نبات بلاد الصين إلا أن الصيني المعروف المشهور ينبت في الأطراف الشمالية منها وهو ببلاد التركستان التي يسمونها الفرس جين ماجين أي صين الصين لأنهم يسمون الصين جين فيقولون: راوند جيني ويحمل في البحر إلى البلاد التي يخرج إِلينا منها، أعني بلاد الفرس، ولذلك سمي التركي لأنه يجلب من بلاد تلي الترك والصين كما يقال مسك عراقي لما يجلب مما يلي العراق من الهند، ولمثل ذلك سمي الراوند الفارسي وهو يشابه الراوند المعروف بالصيني في أشكال قطعه ومقدارها في اللزوجة والطعم والصبغ وفي الهشاشة والخفة، ولكن ليس إلى الحد الذي يوصف معه بضدها بل كأنه بحالة متوسطة بين الزنجي وبينه في ذلك وأقوى منه طعمًا وصبغه أخلص صفرة ويخالفه في اللون لأن هذا أصفر الظاهر والباطن صفرة ورسية، وهو أيضًا مما يستاس وينخر سريعًا وأفضله ما لا يستاس وكان مقطعه أشد صفرة وممضوغه أقوى صبغًا، وأما الراوند المعروف بالشامي فإن هذا الصنف يجلب إلينا من نواحي عمان من أرض الشام وهي