أما ما ورد عن إمام المرسلين وسيد الناس أجمعين وقائد الغر المحجلين، ما رواه الشيخان من فعله عليه الصلاة والسلام وبيده الكريمة لما فتح مكة نهض عليه الصلاة والسلام والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد الحرام فأقبل على الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81] . قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىء الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49] . والأصنام تتساقط على وجوهها. كيف لا وقد بعث عليه الصلاة والسلام بكسر الأصنام، فعن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي وبأي شئ أرسلك الله؟ قال: (( أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيئًا ) )، وروى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله: (( أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ) ). وعند أحمد: (( وأن أطمس كل صنم ) ).
أما عن بعوثه لأصحابه لهدم الأصنام فكثيرة نذكر منها ما تيسر:- أولا: بعث خالد بن الوليد إلى العزى وكان صنمًا تعظمه قريش فهدمها وحطمها. ذكره بن سعد في الطبقات.
ثانيًا: بعث عمرو بن العاص إلى سواع، وهو صنم لهذيل فكسره وهدمه. ذكره بن سعد أيضًا.
ثالثًا: بعث علي بن أبي طالب إلى الفليس وهو صنم طي ليهدمه، وكان صنمًا منحوتًا على جبل من جبالهم فهدمه وكسره. كما عند ابن سعد في الطبقات.
رابعًا: بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة وكانت بالمُشَللْ عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم فهدمها وكسرها. كما عند ابن سعد.
خامسًا: بعث الطفيل بن عمرو إلى ذو الكفين وهو صنم عمرو بن حُمَمَة الدوسي ليهدمه، فهدمه وجعل يحشي النار في وجهه ويحرقه وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادك ميلادنا أقدم من ميلادكَ
إني حششت النار في فؤادكَ
[رواه ابن سعد] .
سادسًا: بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخَلَصة صنم لدوس، وقال له: (( هل أنت مريحي من ذي الخلصة ) )، فنفر إليه ومعه أصحابه فكسره وهدمه. [رواه البخاري ومسلم] .
سابعًا: بعث أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لتحطيم اللات وهو صنم لثقيف، وفيها نكتة لطيفة ليسمعها أصحاب القلوب المريضة الذين انتكست فطرهم وأصبحوا يخافون من غير خالقهم.
نعم عباد الله: يخافون من الساحر والكاهن ونحوهم. لما قدم المغيرة ومن معه لهدم ذلك الصنم، استنكفت ثقيف كلها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى خرج العواتق من الحجال، لا ترى ثقيف أنها مهدومة، يظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة فأخذ الكرزين ـ وهو فأس له حد ـ وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالفأس ثم سقط يركض فأربح أهل الطائف بضجة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطًا، وقالوا لأصحابه: من شاء منكم فليقرب، وليجتهد على هدمها، فوالله ما تستطاع ،فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة وقدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض ولسان حالهم يقول:
نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
قال ابن القيم رحمه الله في فقه هذه القصة وفوائدها ومنها:"هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتًا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله، وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها". وقال أيضًا رحمه الله:"إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها من شعائر الكفر والشرك، فهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة على هدمها البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته. وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان".
كيف لا عباد الله وقد أمر النبي بهدم وحرق مسجد الضرار وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي يدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب، كما ذكر ابن القيم رحمه الله.
وقد جاء في معجم البلدان أنه لما غلب عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب على ناحية سجستان في أيام ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه سار إلى الدوار فحصرهم في جبل الزون، وعلى الزون صنم من ذهب فقطع يديه وقطعه المسلمون وكسروه.
عباد الله: هذا هدى الكتاب والسنة، وهدي الصحابة رضوان الله عليهم في تحطيم الأصنام والأوثان، أفيأتي بعدهم من يشكك في هذه الملة الحنيفية والسنة الربانية بحجج واهية أملتها عليهم ضرورة مجاراة العصر والحضارات الكافرة وما هذه الشبهة التي يلوكونها ويرددونها إلا تخذيل لأتباع رسالة نبينا محمد علم أولئك أم جهلوا.