إننا لا نجهل ظلم الطغاة وجبروتهم وتعسفهم، ورغم ذلك فإننا نقول لهم: مهما فعلتم بنا فلن نسمح لكم أن تحددوا لنا كيف نعبد الله وحده لاشريك له، وما هو المسموح في ذلك والممنوع؟!، فكما أننا نتعبد الله تعالت أسماؤه وصفاته بالصلاة والصيام والزكاة والحج، فإننا نتعبده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والعمل من أجل أن يكون الدين كله لله. ومن هذا المنطلق جاء طرحنا لفرائض الإمامة، ليعلم المسلمون جميعًا أن طريقة اختيار الحكام اليوم تختلف جملة وتفصيلًا عن الطريقة الشرعية، فليس هناك شيء اسمه أهل الحل والعقد، وبالتالي ليس هناك أية حاجة لبحث الشروط التي يجب أن تتوفر في أهل الحل والعقد، وليس هناك شيء أيضًا اسمه البيعة.
أما الحاكم فلا يلزمه أحد بحفظ الدين، وحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وتحصين الثغور، وجهاد من عاند الإسلام، وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع، أجل لا يلزمه أحد بذلك ولا بغيره، ولم يلزم نفسه، والمسألة كلها غير مطروحة وغير قابلة للبحث.
وفي غياب أهل الحل والعقد، ومشاركتهم الفعالة في شؤون الحكم، وفي اختيار الحاكم وخلعه إذا أخلّ بفروض الإمامة، يبرز استبداد الحاكم وبطشه وطغيانه، ويصبح الحديث عن خلعه لنفسه نوعًا من افتراض المستحيل.
ولنفترض أنه أصيب بالجنون المطبق، فمن يقنعه بذلك؟، إن معظم المجانين يرمون الناس جميعًا بهذا المرض في حين يعتقدون بأنهم أسوياء أصحاء، والحاشية سوف تزعم أن عبقرية الزعيم تفتقت عن إشراقات جديدة لم يستطع الشعب استيعابها من فرط جهله وغبائه وتخلفه، بل ومن المؤسف أن الجنون قد أصبح عند بعضهم وكأنه لازم من لوازم الحكم.