وبينما كنت مستغرقًا - كما قال السائل - بنقد منهج حزب الغلاة رأيت أن علماء السلف قد أشبعوا موضوع الخروج على أئمة الجور بحثًا في حين يتهيب معظم الفضلاء من علماء عصرنا من بيان الحكم الشرعي في الحكام المبدلين لشريعة الله، أما غير الفضلاء من المنسوبين إلى العلم وأهله فلم يعد نفاقهم وتزلفهم للطواغيت يحتمل، وهنا فقد رأيت أن الواجب الشرعي يحتم عليَّ أن أساهم في سد هذه الثغرة، ولهذا فقد أخرجت هذا البحث من خزانة المحفوظات، ثم نفضت الغبار عنه، وقرأته غير مرة، ثم قمت باختصاره لأنني كنت أرى من قبل إخراجه في كتاب مستقل، ومع الاختصار كان لابد من تهذيب عباراته لأن للسّن دورًا في اختيار الكلمات الهادفة المفيدة، واستبعاد كل ما لا فائدة أكيدة فيه، وجملة القول: لم يكن هذا البحث وليد الارتجال، وقد جاء والحمد لله في موضعه المناسب.
أما قول القائل: إنك قدمت أدلة سوف يكون الغلاة أول من يستفيد منها...الخ، فمعاذ الله أن أحجب ما أعتقد أنه حق فيما أكتب كي لا تستفيد منه الجهة التي أخالفها، ولا أقبل إن شاء الله أن يكون هدفي مما أكتب إفحام الخصم والإجهاز عليه بشتى الوسائل والطرق المشروعة منها وغير المشروعة.
وإن الحق الذي أدين الله به أن انحراف كثير من أدعياء العلم وتقديمهم الفتاوى الباطلة للظالمين مقابل حصولهم على عرض من أعراض الدنيا الفانية هو سبب من أسباب انحراف دعاة الغلو، وعندما يجد هؤلاء المرجعية الصادقة المستقلة من العلماء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فلسوف يتراجعون [أو يتراجع معظمهم] عن تنطعهم وغلوهم، وهذا ما نرجوه ونأمله ونعمل من أجله.
أعود بعد ذلك إلى الفقرة التي سبقت هذا الاستطراد فأقول: