الصفحة 67 من 96

ويقول أيضًا:"وليس يرتاب الذين يؤرخون لهذه الثورة في أنها كانت كسائر الثورات، تستند إلى أمرين: أحدهما التوسع في نشر الجاسوسية، وثانيهما اصطناع أنصار يستغلون صلاتهم بالثوار. فأما التوسع في نشر الجاسوسية، فقد اقترن في أذهان الناس بأنه كلما استطاع الجاسوس أن ينصب شركًا لأحد خصوم الثورة، كان أولى بالرعاية والثقة به. وكان بعض هؤلاء يصطنعون في كل بيت، وكل مكتب أصدقاء لهم يأتونهم بأخبار - صادقة أو كاذبة - لقاء أجر معلوم، وقد نشأ عن ذلك أن أصبح الوالد يتجسس على ابنه، والجميع ينتظرون من الدولة حسن المثوبة وجزل العطاء في منصب يسند إليهم أو مغنم يدر عليهم أخلاف الرزق الوسيع" (1) .

إن أجهزة التجسس تختلف من حيث القوة والضعف من بلد لآخر، ولكن لابد في النهاية من فرض المراقبة على كبار المسؤولين من العلماء، وقد تناط هذه المهمة بالشرطي الذي يحرس الشيخ أو بسائق سيارته أو بمدير مكتبه، وهذا كله غير أجهزة التصنت ذات التقنية العالية، وإذا كانت ظروف الشيخ الباقوري قد مكنته من نشر مذكراته بعد هلاك عبد الناصر، فغيره غير قادر على ذلك، أو لا يريد أن يقدم على عمل يفضح فيه نفسه.

وأكاد أقرر أنه ما من شيخ أسندت إليه مسؤولية كبيرة قد سلم في النهاية من بطش السلطان خاصة إذا تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له، وعندما يحدث مثل هذا التجاوز تصدر الأوامر الفورية بعزله، وقد يسمع خبر هذا العزل في الإذاعة كغيره من الناس، وقد تفرض عليه الإقامة الجبرية في منزله، ثم تبدأ السلطة بطريقة خبيثة بتسريب وثائق تفضح سيرة الشيخ، وتكشف سوء استخدامه للسلطة:

(1) - بقايا ذكريات، للشيخ أحمد حسن الباقوري، ص: 205 و 237، وقد طرد الشيخ من الوزارة، بسبب وشاية كاذبة، ولم تشفع له الخدمات النادرة التي قدمها لعبد الناصر ونظام حكمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت