-وعلماؤنا أيضًا هم بعض العلماء الذين صدرت منهم فتاوى شاذة مستغربة إلا أننا لا نقلدهم ولا نتبعهم في زلاتهم، وفي غير هذه الزلات نحترمهم ونقدرهم ونعترف بفضلهم، وقد تعلمنا من سلفنا الصالح أن لا نحكم على علماء الأمة من خلال خطأ وقعوا به ثم نتجاهل فضلهم وعلمهم، ولهؤلاء العلماء الكبار زملاء صامتون لا يصرحون بمواقفهم إلا إذا اطمأنوا لجلسائهم، ومنهم من توفاهم الله وهم على هذه المواقف الطيبة التي قد سمعها منهم عشرات الأشخاص، ولولا الإحراج لذكرنا الأسماء.
-علماؤنا - أيها المرجفون - قد رزقهم الله سبحانه وتعالى القدرة على فهم مشكلات الأمة الإسلامية، كما رزقهم الاستقامة والبعد عن مواطن الشبهات، ولهم جهود مشكورة في بيان الدواء الشافي لعلل أمتنا، ومهما فعل الظالمون لن يستطيعوا حجب الشمس عن الشروق.
وعلماؤنا الذين يصدق فيهم قول الشاعر:
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما
أرى الناسَ مَن داناهُمُ هان عندهُمْ
وما كلُّ بَرْقٍ لاح لي يستفزُّنِي
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبِتْ
ولم أَقضِ حَقَّ العِلْم إن كان كلَّمَا
إذا قيل هذا مَنْهَلٌ قلتُ قد أرى
ولم أبتذِلْ في خدمة العلم مُهْجَتي
أ أشقى به غَرْسًَا وأجنيه ذِلَّةًّ
ولو أنّ أهلَ العِلْم صانوه صانهُم
ولكن أهانوه فهانَ ودنَّسوُا ... رأوا رجُلًا عن موقفِ الذلِّ أحجما
ومن أكرمتْهُ عِزَّةُ النفس أُكْرِمَا
ولا كلُّ من لاقَيْتُ أرضاه مُنْعِمَا
أُقَلِّبُ كَفِّي إِثْرَهُ مُتَنَدِّمَا
بدا طَمَعٌ صَيَّرْته لِيَ سُلَّمَا
ولكنَّ نفسَ الحرِّ تحتمل الظَّمَا
لأَخدُمَ من لاقَيْتُ لكنْ لأُخْدَمَا
إذًا فاتِّباعُ الجَهْلِ قد كان أحْزَمَا
ولو عظَّموه في النفوس لَعُظِّمَا
مُحيَّاه بالأطماعِ حتى تَجَهَّمَا (1)
(1) - للقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، طبقات الشافعية الكبرى:3/460.