أما عن واجب العلماء، فليس المطلوب منهم القتال أو الإفتاء بالخروج (1) ، لأن الخروج لا يكون إلا عند توفر شروط: منها: استفراغ النصح، ومنها: الاستطاعة، بل المطلوب منهم بيان الحكم الشرعي في مثل هذه المسألة، وهذا الذي ذهب إليه الإمام النووي رحمه الله في قوله الذي رد به على السلطان:
"وأما أنا في نفسي؛ فلا يضرني التهديد، ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب؛ فهو خير وزيادة عند الله تعالى؛ { إنما هذه الحياة متاع وإن الآخرة هي دار القرار } ، { وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد } ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بالحق حيث ما كنا، وأن لا نخاف في الله لومة لائم".
وقوله رحمه الله:"وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة إليها".
وإيضاح الأحكام لابد أن يطلّع عليه الناس، لأن السلطان لا يفتأ يردد عبر أجهزة إعلامه أن مراسيمه وقوانينه كلها شرعية باتفاق العلماء، ومن جهة أخرى فإن بعض المنسوبين إلى العلم بدأوا يفتون ويكررون أقوالًا شاذة سبقهم إليها بعض العلماء، وخلاصتها أن يسير الربا حلال ولا شبهة فيه، أو يقولون إن البنوك الربوية وصندوق النقد الدولي من الضرورات في هذا العصر والضرورات تبيح المحظورات، وحاجة الناس ملحة إلى معرفة الحكم الشرعي في هذه المسألة حتى لا يسقطوا في الفتنة فيتعرضوا لحرب الله ورسوله، ومن العبث أن ينشغل العلماء في هذه الحالة بشؤون البلدان الأخرى التي يرتع فيها الفساد أضعافًا مضاعفة، ويسكتوا عما يجري في بلدهم، وهو بالتأكيد ليس قاصرًا على مرسوم تنظيم أعمال البنوك الربوية، وهم يعرفون ذلك جيدًا، ولا يجوز لأحد منهم الاعتذار بالجهل، وسكوتهم لا يبرئ ذمتهم أمام الله تعالى.
(1) - سوف نعود - إن شاء الله - إلى الحديث عن مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية وفتواه في قتال التتار عند الحديث عن الاستطاعة.