وَكَذَلِكَ أَنْكَرَتْ عائشة رضي الله عنها أَنْ يَكُونَ الْأَمْوَاتُ يَسْمَعُونَ دُعَاءَ الْحَيِّ مستدلة بقول اللَّهُ تَعَالَى: « إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» (النمل:80) » [1] . وَمَعَ هَذَا فقد ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِّعَالِ [2] ،وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ"صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ [3] .
يقول ابن تيمية معقبا على تلك المسائل الخلافية في العقيدة
:"وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَأَوَّلَتْ وَاَللَّهُ يَرْضَى عَنْهَا وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي"الْأَحْكَامِ"فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ،وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَيِّدَا الْمُسْلِمِينَ يَتَنَازَعَانِ فِي أَشْيَاءَ لَا يَقْصِدَانِ إلَّا الْخَيْرَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا،وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" [4] . [5]
ويقول ابن تيمية أيضًا:
"وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُصُولِ الْمُهِمَّةِ والجزئيات فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْأَحْكَامِ.فلا يحل بحال هجر المسلم ومقاطعته لمجرد الخلاف المحتمل،وَقَدْ قَالَ - صلى الله عليه وسلم - « أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ » . قَالُوا بَلَى. قَالَ « إِصْلاَحُ ذَاتِ"
(1) - صحيح البخاري ( 1370و1371)
(2) - كما في صحيح مسلم ( 7396) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا » .
(3) تفسير ابن كثير ، (ج 6 / ص 325) . مُعْجَمُ الشُّيُوخِ لِابْنِ جُمَيْعٍ الصَّيْدَاوِيِّ (326 ) من طرق يقوي بعضها. ابن تيمية، مجموع الفتاوى ، (ج 24 / ص 174) .
(4) متفق عليه، صحيح البخاري، (946 ) . مسلم، (4701 ) .
(5) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ، (ج 24 / ص 172) .