وَالثَّانِيَ:السُّؤَال بِهِ فَهَذَا يُجَوِّزُهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ،وَنُقِل فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ،وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ،لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَعِيفٌ بَل مَوْضُوعٌ،وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةً إِلاَّ حَدِيثَ الأَْعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُول:أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْك بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ [1] وَحَدِيثُ الأَْعْمَى لاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ،فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَوَسَّل بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَشَفَاعَتِهِ،وَهُوَ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الدُّعَاءَ،وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَقُول:اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِي"وَلِهَذَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَلَوْ تَوَسَّل غَيْرُهُ مِنَ الْعُمْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُ لَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالسُّؤَال بِهِ لَمْ تَكُنْ حَالُهُمْ كَحَالِهِ .وَسَاغَ النِّزَاعُ فِي السُّؤَال بِالأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ دُونَ الإِْقْسَامِ بِهِمْ ؛ لأَِنَّ بَيْنَ السُّؤَال وَالإِْقْسَامِ فَرْقًا،فَإِنَّ السَّائِل مُتَضَرِّعٌ ذَلِيلٌ يَسْأَل بِسَبَبٍ يُنَاسِبُ الإِْجَابَةَ،وَالْمُقْسِمُ أَعْلَى مِنْ هَذَا،فَإِنَّهُ طَالِبٌ مُؤَكِّدٌ طَلَبَهُ بِالْقَسَمِ،وَالْمُقْسِمُ لاَ يُقْسِمُ إِلاَّ عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَبَرُّ قَسَمَهُ،فَإِبْرَارُ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْعِبَادِ،وَأَمَّا إِجَابَةُ السَّائِلِينَ فَعَامٌّ،فَإِنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ،وَإِنْ كَانَ كَافِرًا،وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"ما مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِى الآخِرَةِ وَإِمَّا أَنُْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا". قَالُوا إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ"اللَّهُ أَكْثَرُ" [2] .وَهَذَا التَّوَسُّل بِالأَْنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَال بِهِمْ - وَهُوَ الَّذِي قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ - لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ،فَمَنْ نَقَل عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّل بِهِ بِمَعْنَى الإِْقْسَامِ أَوِ السُّؤَال بِهِ فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ .ثُمَّ يَقُول:وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ مِنَ أَهْل الْعِلْمِ:إِنَّهُ يَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لاَ بِنَبِيٍّ وَلاَ بِغَيْرِ نَبِيٍّ . وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَل عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَال الرَّسُول أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ نَقَل ذَلِكَ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ - غَيْرِ مَالِكٍ - كَالشَّافِعِيِّ"
(1) -حديث الأعمى سبق تخريجه
(2) - مسند أحمد برقم (11432) وهو صحيح