الجواب: رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ممكنة وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة وقد وردت عدة أحاديث في ذلك ، وذكروا بعض الأحاديث السالفة ثم قالوا: ويؤخذ من الأحاديث الصحيحة الواردة في رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته - صلى الله عليه وسلم - ولكن الأمر الهام الذي يجب أن يعلم أن العلماء قد قرروا أنه لا يؤخذ أي حكم شرعي من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنامات ،لأن الشريعة الإسلامية قد تمت وكملت قبل وفاة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } سورة المائدة الآية 3. كما أن مصادر التشريع معلومة ومعروفة وقد بينها الأصوليون وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية على خلاف بينهم فيها وليس منها الرؤى ولا المنامات ، ولا يحتج بالرؤى في باب الأحكام الشرعية إلا من ضعف عقله وزاغ عن طريق الحق والصواب. فليست الرؤى والمنامات من مصادر التشريع ،وهذا هو الحق والصواب وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وأكثر ما يؤخذ من الرؤى أن تكون بشارة أو نذارة لا أن تكون مصدرًا للتشريع.
وقال الإمام النووي عند كلامه على خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -: [ ومنه أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه ] [1]
وقال الشاطبي: [ وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضًا لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقرَّ وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدِّين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع ، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول عن رؤياه غير صحيحة ،إذ لو رآه حقًا لم يخبر بما يخالف الشرع ] [2]
وقال ابن تيمية: [ الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق ] [3]
وقال ابن حزم الظاهري: [ الشرائع لا تُؤْخَذ بالمنامات ] [4]
وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [ ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع، بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول - صلى الله عليه وسلم - على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قبل، وما خالفهما أو أحدهما ترك؛ لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالف ما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم، أما من رآه عليه الصلاة والسلام على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له، أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته عليه الصلاة والسلام، لأنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى ) [5] فدلَّ ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته عليه الصلاة والسلام ويدَّعي أنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم. ثم ليس كل من ادَّعى رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يكون صادقًا وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه، وقد رآه في حياته - صلى الله عليه وسلم - أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين" [6] ."
وللإمام القرافي في مسألة قريبة من مسألة طلاق الزوجة بناءً على الرؤية ، وقد مرَّ أعلاهُ [7] ، وزاد الشارح:"قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْعَلَّامَةِ الْعَطَّارِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَا التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي التَّحَمُّلِ وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي ،عَلَى أَنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا رَأَى رَجُلٌ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ: إنَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ رِكَازًا اذْهَبْ فَخُذْهُ ، وَلَا خُمُسَ عَلَيْك فَذَهَبَ وَوَجَدَهُ وَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ ، قَالَ لِذَلِكَ الرَّائِي: أَخْرِجْ الْخُمُسَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ ، وَقُصَارَى رُؤْيَتِك الْآحَادُ اهـ"
فَلِذَا لَمَّا اضْطَرَبَتْ أَرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ رَآهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: إنَّ امْرَأَتَك طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَهُوَ يَجْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ لِتَعَارُضِ خَبَرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ تَحْرِيمِهَا فِي النَّوْمِ ، وَإِخْبَارُهُ فِي الْيَقَظَةِ فِي شَرِيعَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ اسْتَظْهَرَ الْأَصْلُ أَنَّ إخْبَارَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِهِ الْمِثَالَ، قَالَ: فَإِذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا احْتِمَالَ طُرُوءِ الطَّلَاقِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ وَاحْتِمَالَ طُرُوءِ الْغَلَطِ فِي الْمِثَالِ فِي النَّوْمِ وَجَدْنَا الْغَلَطَ فِي الْمِثَالِ أَيْسَرَ وَأَرْجَحَ ، وَمَنْ هُوَ مِنَ النَّاسِ يَضْبِطُ الْمِثَالَ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا أَفْرَادٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ لِصِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا ضَبْطُ عَدَمِ الطَّلَاقِ فَلَا يَخْتَلُّ إلَّا عَلَى النَّادِرِ مِنِ النَّاسِ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَنْ حَلَالٍ: إنَّهُ حَرَامٌ أَوْ عَنْ حَرَامٍ: إنَّهُ حَلَالٌ أَوْ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَأَى فِي النَّوْمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ،كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ صَحِيحَانِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ بِالسَّنَدِ أَوْ بِاللَّفْظِ أَوْ بِفَصَاحَتِهِ أَوْ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَجَازِ أَوْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ خَبَرُ الْيَقَظَةِ ، وَخَبَرُ النَّوْمِ يُخَرَّجَانِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اهـ ." [8] "
قال الإمام الشاطبي: [ ربما قال بعضهم: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية ،فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا ] [9]
وقال الشاطبي أيضًا:[ ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن تهمل وأيضًا إن المخبر في المنام قد يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قد قال: ( من رآني في النوم فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي) وإذا كان فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.
لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف ] [10]
وقال الشاطبي أيضًا: [ وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضًا لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته - صلى الله عليه وسلم - على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقًا لم يخبره بما يخالف الشرع ] [11]
وقال الشاطبي أيضًا: [ وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة نعم يأتي المرئي تأنيسًا ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا ولا يبنون عليه أصلًا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم ] [12]
وبعد هذه النقول عن فحول أهل العلم أقول لا شك أنه لا يصح في دين الإسلام الاعتماد على الرؤى والأحلام في إثبات الأحكام ولا يجوز للسائل أن يطلق زوجته بناءً على تلك المنامات.
7-تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا:
التَّعْبِيرُ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ خَاصٌّ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا ، وَمَعْنَاهُ الْعُبُورُ مِنْ ظَاهِرِهَا إِلَى بَاطِنِهَا ، وَقِيل: هُوَ النَّظَرُ فِي الشَّيْءِ ، فَيُعْتَبَرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَحْصُل عَلَى فَهْمِهِ حَكَاهُ الأَْزْهَرِيُّ ، وَبِالأَْوَّل جَزَمَ الرَّاغِبُ ، وَقَال أَصْلُهُ مِنَ الْعَبْرِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَهُوَ التَّجَاوُزُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، وَخَصُّوا تَجَاوُزَ الْمَاءِ بِسِبَاحَةٍ أَوْ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِلَفْظِ الْعُبُورِ بِضَمَّتَيْنِ ، وَعَبَرَ الْقَوْمُ إِذَا مَاتُوا كَأَنَّهُمْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الآْخِرَةِ ، قَال: وَالاِعْتِبَارُ وَالْعِبْرَةُ الْحَالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدِ إِلَى مَا لَيْسَ بِمُشَاهَدٍ ، وَيُقَال: عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالتَّخْفِيفِ إِذَا فَسَّرْتَهَا ، وَعَبَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ [13] .
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} (43) سورة يوسف، أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ عُبُورِ النَّهْرِ ، فَعَابِرُ الرُّؤْيَا يَعْبُرُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ أَمْرُهَا ، وَيَنْتَقِل بِهَا كَمَا فِي رُوحِ الْمَعَانِي مِنَ الصُّورَةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الْمَنَامِ إِلَى مَا هِيَ صُورَةٌ وَمِثَالٌ لَهَا مِنَ الأُْمُورِ الآْفَاقِيَّةِ وَالأَْنْفُسِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْخَارِجِ [14] .
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ صُوَرًا لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَتَأْوِيلِهَا ، وَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ: تَأْوِيل الثِّيَابِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ ، فَإِنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - أَوَّل الْقَمِيصَ فِي الْمَنَامِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ ، فعَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِىَّ ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ » . قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: « الدِّينَ » [15] .
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتُرُ صَاحِبَهُ وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَالْقَمِيصُ يَسْتُرُ بَدَنَهُ ، وَالْعِلْمُ وَالدِّينُ يَسْتُرُ رُوحَهُ وَقَلْبَهُ ، وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ .
وَتَأْوِيل اللَّبَنِ بِالْفِطْرَةِ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ التَّغْذِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَيَاةِ وَكَمَال النَّشْأَةِ . وَتَأْوِيل الْبَقَرِ بِأَهْل الدِّينِ وَالْخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمَارَةُ الأَْرْضِ كَمَا أَنَّ الْبَقَرَ كَذَلِكَ .
وَتَأْوِيل الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ بِالْعَمَل ، لأَِنَّ الْعَامِل زَارِعٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ .
وَتَأْوِيل الْخَشَبِ الْمَقْطُوعِ الْمُتَسَانِدِ بِالْمُنَافِقِينَ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُنَافِقَ لاَ رُوحَ فِيهِ وَلاَ ظِل وَلاَ ثَمَرَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ .
وَتَأْوِيل النَّارِ بِالْفِتْنَةِ لإِِفْسَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيَتَّصِل بِهِ .
وَتَأْوِيل النُّجُومِ بِالْعُلَمَاءِ وَالأَْشْرَافِ لِحُصُول هِدَايَةِ أَهْل الأَْرْضِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَلاِرْتِفَاعِ الأَْشْرَافِ بَيْنَ النَّاسِ كَارْتِفَاعِ النُّجُومِ .
وَتَأْوِيل الْغَيْثِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ وَصَلاَحِ حَال النَّاسِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَالْمَأْخُوذَةِ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ ، ثُمَّ قَال: وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثَال الْقُرْآنِ كُلِّهَا أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَنْ أَحْسَنَ الاِسْتِدْلاَل بِهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيَا أَحْسَنَ تَعْبِيرٍ ، وَأُصُول التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةُ إِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ مِشْكَاةِ الْقُرْآنِ ، فَالسَّفِينَةُ تُعَبَّرُ بِالنَّجَاةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } (15) سورة العنكبوت ، وَتُعَبَّرُ بِالتِّجَارَةِ . وَالطِّفْل الرَّضِيعُ يُعَبَّرُ بِالْعَدُوِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (8) سورة القصص .
وَالرَّمَادُ بِالْعَمَل الْبَاطِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} (18) سورة إبراهيم، فَإِنَّ الرُّؤْيَا أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِيَسْتَدِل الرَّائِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ مِنَ الْمَثَل عَلَى نَظِيرِهِ ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَى شَبَهِهِ [16] .
هَذَا وَمِمَّا وَرَدَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مِنَ السُّنَّةِ عَنْ أَبِى مُوسَى - أُرَاهُ - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ أَنِّى أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِى إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ ، فَإِذَا هِىَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ ، وَرَأَيْتُ فِى رُؤْيَاىَ هَذِهِ أَنِّى هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِى آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ » [17] .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ ، فَوُضِعَ فِى يَدَىَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَبُرَا عَلَىَّ وَأَهَمَّانِى ، فَأُوحِىَ إِلَىَّ أَنِ انْفُخْهُمَا ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ » [18] .
وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - - قَالَ: « رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ ، خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ ، حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ - وَهْىَ الْجُحْفَةُ - فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا » . [19]
وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِى مُوسَى - أُرَاهُ - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ أَنِّى أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِى إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ ، فَإِذَا هِىَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ ، وَرَأَيْتُ فِى رُؤْيَاىَ هَذِهِ أَنِّى هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِى آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ » [20] .
هَذَا وَلاَ تُقَصُّ الرُّؤْيَا عَلَى غَيْرِ شَفِيقٍ وَلاَ نَاصِحٍ ، وَلاَ يُحَدَّثُ بِهَا إِلاَّ عَاقِلٌ مُحِبٌّ ، أَوْ نَاصِحٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) سورة يوسف، وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلاَّ عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ » . [21]
وَأَنْ لاَ يَقُصَّهَا عَلَى مَنْ لاَ يُحْسِنُ التَّأْوِيل ، لِقَوْل مَالِكٍ: لاَ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا إِلاَّ مَنْ يُحْسِنُهَا ، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا أَخْبَرَ بِهِ ، وَإِنْ رَأَى مَكْرُوهًا فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ، قِيل: فَهَل يُعَبِّرُهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِقَوْل مَنْ قَال: إِنَّهَا عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ عَلَيْهِ ، فَقَال: لاَ ، ثُمَّ قَال: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ ، فَلاَ يُتَلاَعَبُ بِالنُّبُوَّةِ .
وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ ، وَلْيَتْفُل ثَلاَثًا ، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ ، وَإِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِهَا ، لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُول:"لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُول: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول: « الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفِلْ ثَلاَثًا وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ » [22] ."
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا ، فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا ، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا ، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ ، فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا ، وَلاَ يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ » [23] .
ـــــــــــــــ
(1) - تهذيب الأسماء واللغات1/43.
(2) - الاعتصام 1/321. وانظر أيضًا الموافقات للشاطبي1/114-115.
(3) - مجموع الفتاوى 27/457.
(4) - المحلى 6 / 507.
(5) - صحيح البخارى (110 )
(6) - مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 2 / ص 358)
(7) - انظر أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 8 / ص 395)
(8) - أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 8 / ص 393)
(9) - الاعتصام 2/318 .
(10) - الاعتصام 2/319 .
(11) - المصدر السابق 2/321 .
(12) - المصدر السابق 2/322 .
(13) - المصباح المنير، فتح الباري ( 12 / 352 ط - الرياض ) .
(14) - تفسير القرطبي ( 9 / 200 ط - المصرية ) ، روح المعاني ( 12 / 250 ط المنيرية ) .
(15) -صحيح البخارى (23 ) ومسلم (6340 )
(16) - أعلام الموقعين 1 / 190 - 195 ط - الكليات ، وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 258) الشاملة 2 وحجة الله البالغة - (ج 2 / ص 347)
(17) - صحيح البخارى (3622 ) ومسلم (6072 ) = الوهل: الاعتقاد والظن
(18) - صحيح البخارى (7037 )
(19) - صحيح البخارى (7038 )
(20) - صحيح البخارى (3622 )
(21) - الترمذي (2449 ) صحيح
(22) - صحيح البخارى (7044 )
(23) - صحيح البخارى (7045 )