فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 146

قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال: كنا بين يدي المأمون فعطس فلم نشمته فقال: لم لا تشمتونني ؟ قلنا: أجللناك يا أمير المؤمنين قال: لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء

و أخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدب المأمون فأتيته يوما ـ و هو داخل ـ فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني فأبطأ ثم و جهت إليه آخر فأبطأ فقلت: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة فقيل: أجل و مع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه و لقوا منه أذى شديدا فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال: فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منه منديلا فدخل فقمت عن المجلس و خفت أن يشكوني إليه فأقبل عليه بوجهه و حدثه حتى أضحكه ثم خرج فجئت فقلت: لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر فقال لي: يا أبا محمد ما كنت أطلع الرشيد على هذه فكيف بجعفر ؟ إني أحتاج إلى أدب

و أخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال: أراد الرشيد سفرا فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك و أعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع فمضى الأسبوع و لم يخرج فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك و لم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون:

( يا خير من دبت المطي به ... و من تقدى بسرجه فرس )

( هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس ؟ )

( ما علم هذا إلا إلى ملك ... من نوره في الظلام نقتبس )

( إن سرت سار الرشاد متبعا ... و إن تقف فالرشاد محتبس )

فقرأها الرشيد فسر بها و وقع فيها: يا بني ما أنت و الشعر إنما الشعر ارفع حالات الدنى و أقل حالات السرى [ تقدى: أي استمر ]

و أخرج الأصمعي قال: كان نقش خاتم المأمون [ عبد الله بن عبد الله ]

و أخرج عن محمد بن عبد الله قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان و المأمون قلت: و قد رددت هذا الحصر فيما تقدم

و أخرج عن ابن عيينة قال: جمع المأمون العلماء و جلس للناس فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين مات أخي و خلف ستمائة دينار أعطوني دينارا و قالوا: هذا نصيبك قال: فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها: هذا نصيبك فقال له العلماء: كيف علمت يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا الرجل خلف ابنتين ؟ قالت نعم قال: فلهن الثلثان أربعمائة و خلف والدة فلها السدس مائة و خلف زوجة فلها الثمن خمسة و سبعون و بالله ألك اثنا عشر أخا ؟ قالت: نعم قال: أصابهم ديناران ديناران و أصابك دينار

و أخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال: تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلثمائة لون قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا نافع لكذا ضار لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا و من كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا و من غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا و من قصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيء في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن مامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام و قال: إن الإنسان إنما فضل بعقله و لو لا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم و لا دم أطيب من دم

و أخرج عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلة فانتبه فقال: يا يحيى انظر أيش عند رجلي ؟ فنظرت فلم أر شيئا فقال: شمعة فتبادر الفراشون فقال: انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت: قد انضاف إلي كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال: معاذا الله ! و لكن هتف بي هاتف الساعة و أنا نائم فقال:

( يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى )

( ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى )

فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب و إما بعيد فتأملت ما قرب فكان ما رأيت

و أخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر ؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه ؟ و الله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال: إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له و هو هذا:

( أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين و الناس في الدنيا مشاغيل )

فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها ؟ و هو المطوق لها ! ألا قلت كما قال عمك في الوليد:

( فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ... و لا عرض الدنيا عن الدين شاغله )

قال ابن عساكر: أخبرنا أبو العز بن كادش حدثنا محمد بن الحسين حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي حدثنا الزبير بن بكار حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو و علي أطمار فقال لي: يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق قال: لا و لكنك تتقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون: [ حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد من عوز ]

قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم [ حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد [ بالكسر ] من عوز ]

وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا و قال: السداد لحن يا نضر ؟ قلت: نعم ههنا و إنما لحن هشيم و كان لحانا فقال: ما الفرق بينهما ؟ قلت: السداد بالفتح القصد في السبيل و السداد بالكسر البلغة و كل ما سددت به شيئا فهو سداد قال: أفتعرف العرب ذلك ؟

قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان يقول:

( أضاعوني و أي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة و سداد ثغر )

فأطرق المأمون مليا ثم قال: قبح الله من لا أدب له ! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان:

( تقول لي و العيون هاجعة ...: أقم علينا يوما فلم أقم )

( أي الوجوه انتجعت ؟ قلت لها ...: لأي وجه إلا إلى الحكم ؟ )

( متى يقل حاجبا سرداقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم )

( قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هيهات أدخل فأعطني سلمي )

أسلمت: أسلفت مقتبلا: آخذا قبيلا: أي كفيلا

قال أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت: قول ابن أبي عروبة المديني:

( إني و إن كان ابن عمي عاتبا ... لمزاحم من خلفه و ورائه )

( و مفيد نصري و إن كان أمرأ ... متزحزحا في أرضه و سمائه )

( و أكون والي سره و أصونه ... حتى يحن إلي وقت أدائه )

و إذا الحوادث أجحفت بسوامه قرنت صحيحتنا إلى جربائه(

)و إذا دعا باسمي ليركب مركبا صعبا قعدت له على سيسائه(

)و إذا أتى من وجهه بطريقة لم أطلع فيما وراء خبائه(

)و إذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل: يا ليت أن علي حسن ردائه(

قال: أنشدني أقنع بيت العرب فأنشدته قول ابن عبدل:

)إني امرؤ لم أزل و ذاك من الله أديبا أعلم الأدبا(

)أقيم بالدار ما اطمأن بي ال دار و إن كنت نازحا طربا(

)لا أحتوي الصديق و لا أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا(

)أطلب ما يطلب الكريم من ال رزق بنفسي و أجمل الطلبا(

)إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صنيعة رغبا(

و العبد لا يطلب العلاء و لا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا )

( مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن شيئا إلا إذا ضربا )

( و لم أجد عروة العلائق إلا ال ... دين لما اختبرت و الحسبا )

( قد يرزق الخافض المقيم و ما ... شد بعيس رحلا و لا قتبا )

( و يحرم الرزق المطية و الرحـ ... ل و من لا يزال مغتربا )

قال: أحسنت يا نضر و أخذ القرطاس فكتب شيئا لا أدري ما هو ثم قال: كيف تقول أفعل من التراب ؟ قلت: أترب قال: و من الطين ؟ قلت: طن قال: فالكتاب ماذا ؟ قلت: مترب مطين قال: هذه أحسن من الأول فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال: يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت: كلا ! و لكن هيشم لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي من عنده بثلاثين ألفا فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا

و أخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال: قال: بعث إلي المأمون فصرت إليه و هو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسملت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى: يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد علي السلام فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة:

( نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق مشي قطا الهمارق )

من طارق هذا ؟ فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت: يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال: إنما أرادت النجم و انتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى: { والسماء والطارق } فقلت: فأيده يا أمير المؤمنين فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر و ابن بؤبؤه ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في بعتها بخمسة آلاف درهم

و أخرج عن أبي عبادة قال: كان المأمون أحد ملوك الأرض و كان يجب له هذا الاسم على الحقيقة

و أخرج عن ابن أبي دؤاد دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون: ما حملك على خلافنا ؟ قال: آية في كتاب الله قال: و ما هي ؟ قال: قوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال: نعم قال: و ما دليلك ؟ قال: إجماع الأمة قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل بإجماعهم في التأويل قال: صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين

و أخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال: قال المأمون: من علامة الشريف أن يظلم من فوقه و يظلمه من هو دونه

و أخرج عن سعيد بن مسلم قال: قال المأمون: لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف و يخلص السرور إلى قلوبهم

و أخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية فقال له: و الله لأقتلنك فقال: يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو قال: و كيف و قد حلفت لأقتلنك ؟ فقال: لأن تلقى الله حانثا خيرا من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله

و أخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال: بت عند المأمون ليلة فنام القيم الذي كان يصلح السراج فقام المأمون و أصلحه و سمعته يقول: ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام و يفترون علي و لا يدرون أني أسمع فأعفو عنهم

و أخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا و جلس مرة يستاك على دجله من وراء ستر ـ و نحن قيام بين يديه ـ فمر ملاح و هو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني ـ و قد قتل أخاه ـ قال: فو الله ما زاد على أن تبسم و قال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل ؟

و أخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه

و كان يقول: أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى

و أخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون: يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور و الدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقي لأحد نعمة

و أخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: قال المأمون: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة لأن غلبة القدرة تزول بزوالها و غلبة الحجة لا يزيلها شيء

و أخرج عن العتبي قال: سمعت المأمون يقول: من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل الفعل

و أخرج عن أبي العالية قال: سمعت المأمون يقول: ما أقبح اللجاجة بالسلطان و أقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهيم و أقبح منه سخافة الفقهاء بالدين و أقبح منه البخل بالأغنياء و المزاح بالشيوخ و الكسل بالشباب و الجبن يالمقاتل

و أخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال: قال المأمون: أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده و يتواضع لمن لا يكرمه و يقبل مدح من لا يعرفه و أخرج عن مخارق قال: أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:

( و إني لمحتاج إلى ظل صاحب ... يروق و يصفو إن كدرت عليه )

فقال لي: أعد فأعدت سبع مرات فقال لي: يا مخارق خذ مني الخلافة و اعطني هذا الصاحب

و أخرج عن هدبة بن خالد قال: حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلي المأمون فقال: أما شعبت ؟ قال: بلى و لكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني [ عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر ] فأمر لي بألف دينار

و أخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال: لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل أهدي الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح و في الآخر أشنان و كتب إليه: جعلت فداك ! خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة و كرهت أن تطوى صحيفة أهل البر و لا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبتدإ ليمينه و بركته و بالمختوم به لطيبه و نظافته فأخذ الحسن المزودين و دخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك و أمر بهما ففرغا و ملئا دنانير

أخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول: أنا و الله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه و لو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب

و أخرج الخطيب عن منصور البرمكي قال: كان للرشيد جارية و كان المأمون يهواها فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها و المأمون خلفه إذا أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها و أبطأت غن الصب فنظر إليها هارون فقال: ما هذا ؟ فتلكأت عليه فقال إن لم تخبريني لأقتلنك فقلت: أشار إلي عبد الله بقبلة فالتفت إليه و إذا هو قد نزل به من الحياء و الرعب ما رحمه الله منه فاعتنقه و قال: أتحبها ؟ قال: نعم قال: قم فادخل بها في تلك القبة فقام فلما خرج قال له: قل في هذا شعرا فقال:

( ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه )

( قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه )

( ورد أحسن رد ... بالكسر من حاجبيه )

( فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه )

و أخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النخاسين يقول: عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية فساومته في ثمنها بألفي دينار فقال المأمون: إن هي أجازت بيتا أقول ببيت من عندها اشتريها بما تقول و زدتك فأنشد المأمون:

( ماذا تقولين فيمن شفه أرق ... من جهد حبك قد صار حيرانا ؟ )

فأجازته:

( إذا وجدنا محبا قد أضر به ... داء الصبابة أوليناه إحسانا )

و أخرج الصولي عن الحسن الخليع قال: لما غضب علي المأمون و منعني رزقا لي علمت قصيدة أمتدحه به و دفعتها إلى من أوصلها إليه و أولها:

( أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى تنجر الوعد المؤكد بالعهد )

( أعيذك من خلف الملوك و قد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد )

( أيبخل فرد الحسن عني بنائل ... قليل و قد أفردته بهوى فرد )

إلى أن قال:

( رأى عبد الله خير عباه ... فملكه و الله أعلم بالعبد )

( ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مفرقة بين الضلالة و الرشد )

فقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل:

( أعيناي جودا و أبكيا لي محمدا ... و لا تذخرا دمعا عليه و أسعدا )

( فلا تمت الأشياء بعد محمد ... و لا زال الملك فيه مبددا )

( و لا فرح المأمون بالملك بعده ... و لا زال في الدينا طريدا مشردا )

فهذا بذاك و لا شيء عندنا فقال له الحاجب: فأين عادة أمير المؤمنين في العفو ؟ فقال: أما هذا فنعم فأمر له بجائزة ورد رزقه عليه

و أخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال: لما قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر

و أخرج عن محمد بن العباس قال: المأمون يحب لعب الشطرنج شديدا و يقول: هذا يشحذ الذهن و اقترح فيها و كان يقول: لا أسمعن أحدا يقول: تعال حتى نلعب و لكن يقول: نتداول أو نتناقل و لم يكن حاذقا بها

و كان يقول: أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك و أضيق عن تدبير شبرين في شبرين

و أخرج عن ابن أبي سعيد قال: هجا دعبل المأمون فقال:

( إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك و شرفتك بمقعد )

( شادوا بذكرك بعد طول خموله ... و استنفذوك من الحضيض الأوهد )

فلما سمعها المأمون لم يزد على أن قال: ما أقل حياء دعبل ! متى كنت خاملا و قد نشأت في حجر الخلفاء ؟ و لم يعاقبه

و أخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ

و أخرج عن الجاحظ قال: كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد سوى سياقية فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران

و أخرج عن إسحاق الموصلي قال: قال المأمون: ألذ الغناء ما طرب له السامع خطأ كان أو صوابا

و أخرج عن علي بن الحسين قال: كان محمد بن حامد واقفا على رأس المأمون و هو يشرب فاندفعت عريب فغنت الشعر النابغة الجعدي:

( كحاشية البرد اليماني المسهم )

فأنكر المأمون أن لا يكون ابتدأت بشيء فأمسك القوم فقال: نفيت من الرشيد لئن لم أصدق عن هذا لأقرن بالضرب الوجيع عليه ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة و لئن صدقت لأبلغن الصادق أمله فقال محمد بن حامد: أنا يا سيدي أو مأت إليها بقبلة فقال: الآن جاء الحق صدقت أتحب أن أزواجك بها ؟ قال: نعم فقال المأمون: الحمد لله العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطيبين لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي و مهرتها عنه أربعمائة درهم على بركة الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم خذ بيدها فقامت معه فصار المعتصم إلى الدهليز فقال له: الدلالة قال: لك ذاك قال: دلالتي أن تغنيني الليلة فلم تزل تغنيه إلى السحر و ابن حامد على الباب ثم خرجت فأخذت بيده و مضت عليه

و أخرج عن ابن أبي دؤاد قال: أهدي ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مائتا رطل مسك و مائتا جلد سمور فقال: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام

و أخرج عن إبراهيم بن الحسن قال: قال المدائني للمأمون: إن معاوية قال: بنو هاشم أسود و أحداء و نحن أكثر سيدا فقال المأمون: إنه قد أقر و ادعى فهو في ادعائه خصم و في إقراره مخصوم

و أخرج عن أبي أمامة قال: حدثني بعض أصحابنا أن أحمد بن أبي خالد قرأ القصص يوما على المأمون فقال: فلان الثريدي ـ و هو اليزيدي ـ فضحك المأمون و قال: يا غلام هات طعاما لأبي العباس فإنه أصبح جائعا فاستحيى و قال: ما أنا بجائع و لكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء فقال: على ذلك فجاءه بطعام فأكل حتى انتهى ثم عاد فمر في قصة [ فلان الحمصي ] فقال: الخبيصي فضحك المأمون و قال: يا غلام جامة فيها خبيص فقال: إن صاحب القصة كان أحمق فتح اليم فصارت كأنها سنتان فضحك و قال: لولا حمقها لبقيت جائعا

و أخرج عن أبي عباد قال: ما أظن الله خلق نفسا هي أنبل من نفس المأمون و لا أكرم

و كان قد عرف شره أحمد بن أبي علي خالد فكان إذا وجهه في حاجة غداة قبل أن يرسله

و رفع إليه في القصة: إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن خالد نزلا فإنه يعين الظالم بأكله فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته

و كان مع هذا يشره إلى طعام الناس فقال دعبل الشاعر:

( شكرنا الخليفة إجراءه ... على ابن أبي خالد نزله )

( فكف أذاه عن المسلمين ... و صير في بيته شغله )

و أخرج عن ابن أبي دؤاد قال: سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو غدر أو يمن قد وهبتهما لك و لا تزال تسيء و تذنب و أغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك

و أخرج عن الجاحظ قال: قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكي و المأمون

و أخرج السفلي في الطيوريات عن حفص المدائني قال: أتى المأمون بأسود قد ادعى النبوة و قال: أنا موسى بن عمران فقال له المأمون: إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء أخرج يدك بيضاء حتى أومن بك فقال الأسود: إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون: أنا ربكم الأعلى فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء و إلا لم تبيض

و أخرج أيضا أن المأمون قال: ما انفتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال

و أخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها و نعله في يده فوقف على طرف البساط و قال: السلام عليكم فرد عليه المأمون فقال أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة و القهر ؟ قال: لا بهذا و لا بهذا بل يتولى أمر المسلمين من عقد لي و لأخي فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق و المغرب على الرضا بي رأيت متى خليت الأمر اضرب حبل الإسلام و مرج أمرهم و تنازعوا و بطل الجهاد و الحج و انقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجتمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر فقال: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و ذهب

و أخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال: حج الرشيد فدخل الكوفة فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس و عيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين و المأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون: يا عم أتأذن لي أن أعيدها من حفظي ؟ قال: افعل فأعادها فعجب من حفظه

و قال بعضهم: استخرج المأمون كتب الفلاسفة و اليونان من جزيرة قبرس هكذا ذكره الذهبي مختصرا

و قال الفاكهي: أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون و استمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر إلا أن محمود بن سبكتكين كساها في خلال هذه المدة دبياجا أصفر

و من كلام المأمون: لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال

و قال: أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر و إذا أدبر أن يقبل

و قال: أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس

و قال: الناس ثلاثة مثل الغذاء لابد منه على كل حال و منهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض و منهم كالداء مكروه على حال

و قال: ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة قدمه أهله فشكا عاملهم فقلت: كذبت بل هو رجل عادل فقال: صدق أمير المؤمنين و كذبت أنا قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد [ خذه ] و استعمله على بلد آخر يشملهم من عدله و إنصافه مثل الذي شملنا فقلت: قم في غير حفظ الله و عزلته عنكم

و من شعر المأمون:

( لساني كتوم لأسراركم ... و دمعي نموم لسري مذيع )

( فلولا دموعي كتمت الهوى ... و لولا الهوى لم يكن لي دموع )

و له في الشطرنج:

( أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين إلفين معروفين بالكرم )

( تذاكر الحرب فاحتلا لها حيلا ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم )

( هذا يغير على هذا و ذاك على ... هذا بغير و عين الحزم لم تنم )

( فانظر إلى فطن جالت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل و لا علم )

و أخرج الصولي عن محمد بن عمرو قال: دخل أصرم بن حميد على المأمون ـ و عنده المعتصم ـ فقال: يا أصرم صفني و أخي و لا تفضل واحدا منا على صاحبه فأنشد بعد قليل:

( رأيت سفينة تجري ببحر ... إلى بحرين دونها البحور )

( إلى ملكين ضوؤهما جميعا ... سواء حار دونها البصير )

( كلا الملكين يشبه ذاك هذا ... و ذا هذا و ذاك و ذا أمير )

( فإن يك ذاك ذا و ذاك هذا ... فلي في ذا و ذاك معا سرور )

( رواق المجد ممدود على ذا ... و هذا وجهه بدر منير )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت