قال كعب الأحبار: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية قال الذهبي: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية قال: و صدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف و خرج عن أمرهم بعض الممالك خرج معاوية على علي كما تقدم و تسمى بالخلافة ثم خرج على الحسن فنزل له الحسن عن الخلافة فاستقر فيها من ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة إحدى و أربعين فسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد و فيه ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة
و في سنة ثلاث و أربعين فتحت الرخج و غيرها من بلاد سجستان و ودان من برقة و كور من بلاد السودان و فيها استخلف معاوية زياد بن أبيه و هي أول قضية غير فيها حكم النبي صلى الله عليه و سلم في الإسلام ذكره الثعالبي و غيره
و في سنة خمس و أربعين فتحت القيقان
و في سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة و فيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه و هو أول من عهد بالخلافة لابنه و أول من عهد بها في صحته ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة فخطب مروان فقال: إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم و لده يزيد سنة أبي بكر و عمر فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: بل سنة كسرى و قيصر إن أبا بكر و عمر لم يجعلاها في أولادهما و لا في أحد من أهل بيتهما
ثم حج معاوية سنة إحدى و خمسين و أخذ البيعة لابنه فبعث إلى ابن عمر فتشهد و قال: أما بعد يا ابن عمر إنك كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير و إني أحذرك أن تشق عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم فحمد ابن عمر الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك و لكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار و إنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين و لم أكن لأفعل و إنما أنا رجل من المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم فقال: يرحمك الله ! فخرج ابن عمر ثم أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه و قال: إنك لوددت أنا و كلناك في أمر ابنك إلى الله و إنا و الله لا نفعل و الله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنها عليك جذعة ثم وثب و مضى فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن على أهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك ثم ؟ أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر و إنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما و حملتهما على غير رأيهما فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلتها و هلم ابنك فلنبايعه أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع و نطيع ؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا ثم راح فصعد معاوية المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر و ابن أبي بكر و ابن الزبير لن يبايعوا يزيد و قد سمعوا و أطاعوا و بايعوا له فقال أهل الشام: و الله لا نرضى حتى يبايعوا له على رؤوس الأشهاد و إلا ضربنا أعناقهم فقال: سبحان الله ! ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم ثم نزل فقال الناس: بايع ابن عمر و ابن أبي بكر و ابن الزبير و هم يقولون: لا و الله ما بايعنا فيقول الناس: بلى و ارتحل معاوية فلحق بالشام
و عن ابن المنكدر: قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا رضينا و إن كان بلاء صبرنا
و أخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال: كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة و كان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن فخلا البيت ذات يوم فقام الفاكه و هند فيه ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته و أقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رأى المرأة ولى هاربا فأبصره الفاكه فانتهى إليها فضربها برجله و قال: من هذا الذي كان عندك ؟ قالت: ما رأيت أحدا و لا انتبهت حتى أنبهتني فقال لها: الحقي بأهلك و تكلم فيها الناس فخلا بها أبوها فقال لها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنا المقالة و إن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن قال: فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم و خرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف و معهم هند و نسوة معها تأنس بهن فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند و تغير وجهها فقال لها أبوها: يا بنية إني قد أرى ما بك من تغير الحال و ما ذاك إلا لمكروه عندك قالت: لا و الله يا أبتاه و ما ذاك لمكروه و لكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ و يصيب فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون علي سبة في العرب فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك فصفر بفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة و أوكأ عليها بسير و صبحوا الكاهن فنحر لهم و أكرمهم فلما تغدوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر و قد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو ؟ قال: برة في كمرة قال: أريد أبين من هذا قال: حبة من بر في إحليل مهر فقال عتبة: صدقت انظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهن و يضرب كتفها و يقول: انهضي حتى دنا من هند فضرب كتفها و قال: انهضي غير رسحاء و لا زانية و لتلدين ملكا يقال له معاوية فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده و قالت: إليك و الله لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية
مات معاوية في شهر رجب سنة ستين و دفن بين باب الجابية و باب الصغير و قيل: إنه عاش سبعا و سبعين سنة و كان عنده شيء من شعر رسول الله صلى الله عليه و سلم و قلامة أظفاره فأوصى أن تجعل في فمه و عينيه و قال: افعلوا ذلك و خلو بيني و بين أرحم الراحمين