فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 146

روى الشيخان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة و تمت ألا و إنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها و ليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر و إنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه و سلم و إن عليا و الزبير و من معهما تخلفوا في بيت فاطمة و تخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفه بني ساعدة و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أيا بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرون ؟ قلت: نريد إخواننا من الأنصار فقالا: عليكم ألا تقربوهم و اقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت: و الله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون و إذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا ؟ قالوا: سعد بن عبادة فقلت: ما له ؟ قالوا: وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله و قال: أما بعد فنحن أنصار الله و كتيبة الإسلام و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا و قد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا و تحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم و قد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر و قد كنت أداري منه بعض الحد و هو كان أحلم مني و أوقر فقال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه و كان أعلم مني و الله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها و أفضل منها حتى سكت فقال: أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله و لم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا و دارا و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي و بيد أبي عبيدة بن الجراح و هو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها و كان و الله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش و كثر اللغط و ارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته و بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما و الله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم و لم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضي و إما أن نخالفهم فيكون فيه فساد

و أخرج النسائي و أبو يعلي و الحاكم و صححه عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت الأنصار: منا أمير و منكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر

و أخرج ابن سعد و الحاكم و البيهقي عن أبي سعد الخدري قال: قبض رسول الله و اجتمع الناس في دار سعد بن عبادة و فيهم أبو بكر و عمر فقام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا و منكم فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان من المهاجرين و خليفته من المهاجرين و نحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرين و الأنصار و صعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم و حواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم و ختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه

و قال ابن إسحاق في السيرة: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة و كان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله و ثاني اثنين إذا هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة

ثم تكلم أبو بكر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم و لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوموني الصدق أمانة و الكذب خيانة و الضعف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله و القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل و لا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله و رسوله فإذا عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

و أخرج موسى بن عقبة في مغازيه و الحاكم و صححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطب أبو بكر فقال: و الله ما كنت حريصا على الإمارة يوما و لا ليلة قط و لا كنت راغبا فيها و لا سألتها الله في سر و لا علانية و لكني أشفقت من الفتنة و مالي في الإمارة من راحة لقد قلدت أمرا عظيما مالي به من طاقة و لا يد إلا بتقوية الله فقال علي و الزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة و إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار و إنا لنعرف شرفه و خيره و لقد أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة بالناس و هو حي

و أخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال: أبسط يدك لأبايعك إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت ! أتبايعني و فيكم الصديق و ثاني اثنين ؟

الفهة: ضعف الرأي

و أخرج ابن سعد أيضا عن محمد أن أبا بكر قال لعمر: ابسط يدك لأبايعك فقال له عمر: أنت أفضل مني فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني ثم كرر ذلك فقال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك فبايعه

و أخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر في طائفة من المدينة فجاء فكشف عن وجهه فقبله و قال: فداء لك أبي و أمي ما أطيبك حيا و ميتا مات محمد و رب الكعبة ـ فذكر الحديث ـ قال: و انطلق أبو بكر و عمر يتفاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئأ أنزل في الأنصار و لا ذكره رسول الله صلى الله عليه و سلم في شأنهم إلا ذكره و قال: لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: لو سلك الناس واديا و سلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار و لقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال و أنت قاعد: [ قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم و فاجرهم تبع لفاجرهم ] فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء و أنتم الأمراء

و أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: لما بويع أبو بكر رأى من الناس بعض الانقباض فقال: أيها الناس ؟ ما يمنعكم ! ألست أحقكم بهذا الأمر ؟ ألست أول من أسلم ؟ ألست ؟ فذكر خصالا

و أخرج أحمد عن رافع الطائي ؟ قال: حدثني أبو بكر عن بيعته و ما قالته الأنصار و ما قاله عمر قال: فبايعوني و قبلتها منهم و تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة

و أخرج ابن إسحاق و ابن عايد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر: ما حملك على أن تلي أمر الناس و قد نهيتني أن أتأمر على اثنين ؟ قال: لم أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد صلى الله عليه و سلم الفرقة

و أخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم بشهر فذكر قصته فنودي في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر ثم قال أيها الناس لوددت أن هذا كفانيه غيري و لئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها إن كان لمعصوما من الشيطان و إن كان لينزل عليه الوحي من السماء

و أخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال: لما بويع أبو بكر قام خطيبا فقال: أما بعد فإني وليت هذا الأمر و أنا له كاره و و الله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا و إنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه و سلم لم أقم به كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدا أكرمه الله بالوحي و عصمه به ألا و إنما أنا بشر و لست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني و إذا رأيتموني زغت فقوموني و اعلموا أن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم

و ابن سعد و الخطيب في رواية مالك عن عروة قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني قد وليت أمركم و لست بخيركم و لكنه نزل القرآن و سن النبي صلى الله عليه و سلم السنن و علمنا فعلمنا فاعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى و أعجز العجوز الفجور و أن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه و أن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع و لست بمبتدع فإذا أحسنت فأعينوني و إن أنا زغت فقوموني أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم

قال مالك: لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط

و أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ارتجت مكة فسمع أبو قحافة ذلك فقال: ما هذا ؟ قالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم

قال: أمر جلل فمن قام بالأمر بعده ؟ قالوا: ابنك قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف و بنو المغيرة ؟ قالوا: نعم قال: لا واضع لما رفعت و لا رافع لما وضعت

و أخرج الواقدي من طرق عن عائشة و ابن عمر و سعيد بن المسيب و غيرهم رضي الله عنهم أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة و أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر حتى لقي الله و لم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله و لم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت