عمر بن عبد العزيز بن مروان 99 هـ ـ 101 ه
عمر بن عبد العزيز بن مروان: الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين
قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر و عمر و عثمان و علي و عمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه
ولد عمر بحلوان قرية بمصر و أبوه أمير عليها سنة إحدى و قيل: ثلاث و ستين و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب و كان بوجه عمر شجة ضربته دابة في جبهته ـ و هو غلام ـ فجعل أبوه يمسح الدم عنه و يقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد أخرجه ابن عساكر
و كان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلا أخرجه الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه
و أخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال: ليت شعري ! من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا
و أخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة و كانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز
روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه و أنس و عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و ابن قارظ و يوسف بن عبد الله بن سلام و عامر بن سعد و سعيد بن المسيب و عروة بن الزبير و أبي بكر بن عبد الرحمن و الربيع بن سمرة و طائفة
روى عنه: الزهري و محمد بن المنكدر و يحيى بن سعد الأنصاري و مسلمة بن عبد الملك و رجاء بن حيوة و خلائق كثيرون
جمع القرآن و هو صغير و بعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلم توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق و زوجه ابنته فاطمة
و كان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم و الاختيال في المشية فلما ولي الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست و ثمانين إلى سنة ثلاث و تسعين و عزل فقدم الشام ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد و أن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعا و كرها فامتنع عمر بن عبد العزيز و قال لسليمان: في أعناقنا بيعة و صمم فطين عليه الوليد ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه و قد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة
قال زيد بن أسلم عن أنس رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم من هذا الفتى ـ يعني عمر بن عبد العزيز ـ و هو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم: فكان يتم الركوع و السجود و يخفف القيام و القعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه و غيره
و سئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: هو نجيب بني أمية و إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده
و قال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن العزيز تلامذه
و أخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة و شيخ متوكئ على يده فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف فلما صلى و دخل لحقته فقلت: أصلح الله الأمير ! من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك ؟ قال يا رياح رأيته ؟ قلت نعم قال: ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي هذه الأمة و أني سأعدل فيها
و أخرج أيضا عن أبي هشام أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم و أبو بكر عن يمينه و عمر عن شماله فإذا رجلان يتخصمان و أنت بين يديه جالس فقال لك: يا عمر إذا علمت فاعمل هذين لأبي بكر و عمر فاستحلف له عمر بالله لرأيت هذا فحلف له فبكى عمر
بويع بالخلافه بعهد من سليمان في صفر سنة تسع و تسعين كما تقدم فمكث فيها سنتين و خمسة أشهر نحو خلافة الصديق رضي الله عنه ملأ فيها الأرض عدلا ورد المظالم و سن السنن الحسنة و لما قرئ كتاب العهد باسمه عقر و قال: و الله إن هذا الأمر ما سألته الله قط ؟ و قدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى و قال: ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها ؟ قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد و اجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء
و قال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه: ما لي أراك مغتما ؟
قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا و أنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه و لا طالبه مني
و عن عمرو بن مهاجر و غيره أن عمر لما استخلف قام في الناس و أثنى عليه ثم قال:
أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن و لا نبي بعد محمد صلى الله عليه و سلم ألا و إني لست بفارض و لكني منفذ و لست بمبتدع و لكني متبع و لست بخير من أحدكم و لكني أثقلكم حملا و إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
و عن الزهري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل و كتب إليه إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه و رجاله في مثال زمانك و رجالك كنت عند الله خيرا من عمر
و عن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان أتخشى علي ؟ قال: كيف حبك للدرهم ؟ قال: لا أحبه قال: لا تخف فإن الله سيعنيك
و عن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت له فدك ينفق منها و يعول منها على صغير بني هاشم و يزوج منها أيمهم و إن فاطمة سألته أن يجعلها لها ؟ فأبى فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمرا منعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فاطمة ليس لي بحق و إني أشهدكم أني قد رددتها على ما كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم
و عن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته و أهل بيته فأخذ ما بأيديهم و سمى أموالهم مظالم
و قال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها و لي عيال و ضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي ؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش و سعه عليك و إن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك
و قال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك ـ و كان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله ـ: اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال و إما أن تأذني لي في فراقك فإني أكره أن أكون أنا و أنت و هو في بيت واحد قالت: لا بل أختارك عليه و على أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر و استخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك قالت: لا و الله ما أطيب به نفسا في حياته و أرجع فيه بعد موته
و قال عبد العزيز: كنت بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها و السلام
و قال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله
و قال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون
و قال ميمون بن مهران: إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي و إن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز
و قال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز
و قال محمد بن فضالة: مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة فنزل إليه الراهب و لم ينزل لأحد قبله و قال: أتدري لم نزلت إليك ؟ قال: لا قال: لحق أبيك إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي القعدة و ذي الحجة و المحرم: أبي بكر و عمر و عثمان و رجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز
و قال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز فقلت: سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها ! فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس
و قال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة ؟ عدله كف الذئاب عن شائنا
و قال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة و الذئب ترعى في مكان واحد فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة
و قال الوليد بن مسلم: بلغنا ان رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز فأتاني ثلاث مرات في المنام فارتحلت إليه فبايعته
و عن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر و عمر و عمر بن عبد العزيز قلت له: أبو بكر و عمر قد عرفناهما فمن عمر ؟ قال: إن عشت أدركته و إن مت كان بعدك قلت و مات ابن المسيب قبل خلافة عمر
و قال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى يعني عمر بن عبد العزيز
و قال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز و إلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم
و قال مالك بن دينار: الناس يقولون: مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها
و قال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز و إن حجزة إزاره لغائبة في عكنه ثم رأيته بعد ما استحلف و لو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت
و قال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور: كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه ؟ قلت: أربعين ألف دينار قال: فكم كانت حين توفي ؟ قلت أربعمائة دينار و لو بقي لنقصت
و قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة ينت عبد الملك: ألا تغسلون قميصه ؟ قالت: و الله ما له قميص غيره
قال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوما على مولاتي فغدتني عدسا فقلت: كل يوم عدس ؟ قالت: يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين
قال: و دخل عمر الحمام يوما فأطلى فولي عانته بيده
قال: و لما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير و قال: إن بعتموني موضع قبري و إلا تحولت عنكم فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه
و قال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال: يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبا ؟ فقالت: لا و قالت: و أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا ؟ ! قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم
و قالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة و لا من احتلام منذ استخلف الله حتى قبضه
و قال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء فسألوا عن ذلك فقالوا: إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقته و من أحب أن أمسكه أمسكته و إن لم يكن مني إليها حاجة فبكين إياسا منه قالت فاطم امرأته: كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي و يدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع
و قال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحدا قط أخوف من عمر و قال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة ـ و عليه قميص مرفوع الجيب من بين يديه و من خلفه ـ فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة و أفضل العفو عند القدرة
و قال ميمون بن مهران: سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل إني لأريد الأمر و أخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدنيا فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا
و قال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاووس: هو المهدي ـ يعني عمر بن عبد العزيز ـ قال هو مهدي و ليس به إنه لم يستكمل العدل كله
و قال عمر بن أسيد: و الله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح بماله كله قد أغنى عمر الناس
و قالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنها فأثنت على عمر بن عبد العزيز و قالت: لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد
و قال عطاء بن أبي رباح: حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه و هو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث ؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه و سلم أسودها و أحمرها فتفكرت في الفقير الجائع و المريض الضائع و العاري المجهود و المظلوم المقهور و الغريب الأسير و الشيخ الكبير و ذي العيال الكثير و المال القليل و أشباههم في أقطار الأرض و أطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت
و قال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته و عنده أشراف بني أمية فقال: أتحبون أن أولي كا رجل منكم جندا ؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال: ترون بساطي هذا ؟ إني لأعلم أنه يصير إلى و فناء و إني أكره أن تدنسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين و أبشارهم ؟ هيهات لكم هيهات ! فقالوا له: لم ؟ أما لنا قرابة ؟ أما لنا حق ؟ قال: ما أنتم و أقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته
و قال حميد: أملى علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ثم شكا الحاجة و العيال فأمر بعطائه
و قال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز: إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه
و قال جويرية بن أسماء: قال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي تواقة لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه ـ يعني الجنة ـ
و قال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين و قال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل و كان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين
و قال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء فانطلق فسخن قمقما في مطبخ العامة فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ
و قال عمر بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه
و قال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلاثمائة حرسي و ثلاثمائة شرطي فقال عمر للحرس: إن لي عنكم بالقدر حاجزا و بالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير
و من شاء فليلحق بأهله
و قال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فقال: ما أطيب ريحه و أحسنه ! أرفعه يا غلام للذي أتى به و أقرئ فلانا السلام و قل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك و رجل من أهل بيتك و قد بلغك أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يأكل الهدية فقال: ويحك ! إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه و سلم هدية و هي لنا اليوم رشوة
و قال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحدا في خلافته غير رجل واحد تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط
و قال الأوزاعي: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك فقال: لن يتسع مالي لكم و أما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد
و قال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس
و قال يحيى الغساني: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة و نقبا فكتبت إليه أعلمه حال البلد و أسأله: آخذ الناس بالظنة و أضربهم على التهمة أو آخذهم بالبنية و ما جرت عليه السنة فكتبت إلي أن آخذ الناس بالبينة و ما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد و أقلها سرقة و نقبا
و قال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر فغشي السراج ـ و إلى جانبه و صيف ـ قلت: ألا أنبهه ؟ قال: لا قلت: أفلا أقوم ؟ قال: ليس من مروءة الرجال استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت و أصلح السراج ثم رجع و قال: قمت و أنا عمر بن عبد العزيز و رجعت و أنا عمر بن عبد العزيز
و قال نعيم كاتبه: قال يا عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة
و قال مكحول لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد و لا أخوف لله من عمر بن عبد العزيز و قال سعيد بن أبي عروية: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضربت أوصاله
و قال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت و القيامة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة
و قال عبيد الله بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال: أيها الناس أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم و اعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم و اعلموا أن رجلا ليس بينه و بين آدم أب حي لعرق له في الموت و السلام عليكم
و قال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قلبه من الخلفاء كان يعطينا و يعرف لنا موضعنا و إن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم: إن أبي يقول لكم: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم
و قال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم و لا تأخذوا ما هو خلاف لهم فإنهم خير منكم و أعلم
و قال: قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز و لم يلتفت إليه فكتب إلى عون بن عبد الله و كان خصيصا بعمر:
( يا أيها القارئ المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني )
( أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدى الباب كالمصفود في قرن )
و قال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه و قال: من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها و من كانت زانته فقد زنتها و أنت كما قال مالك بن أسماء:
( و تزيدين أطيب الطيب طيبا ... أنت تمسيه أين مثلك أينا ؟ )
( و إذا الدار زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا )
قال جعونة: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه فقال: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه ؟ قال: لا قال: و لم و أنت تثني عليه ؟ قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده
و قال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني قال: أوصيك بتقوى الله و إيثاره تخف عنك المؤونة و تحسن لك من الله المعونة
و قال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها و مشى إليها ثم أجلسها في مجلسه و جلس بين يديها و ما ترك لها حاجة إلا قضاها
و قال الحجاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح فنظر إليه عمر فوصل له رجل كلامه بالمزاح فقال: لهذا اجتمعتم ؟ لأخس الحديث و لما يورث الضغائن ؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث
و قال إياس بن معاوية بن قرة: ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها يعني لا يجد من يعينه
و قال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير
و قال يحيى الغساني: كان عمر ينهي سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية و يقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة فأتي سليمان بحروري فقال له سليمان: هيه فقال الحروري: و ماذا أقول ؟ يا فاسق بن الفاسق فقال سليمان: علي بعمر بن عبد العزيز فلما جاء قال: اسمع مقالة هذا فأعادها الحروري فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه ؟ فسكت قال: عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك قال: ليس الأمر كذلك فأمر به سليمان فضربت عنقه و خرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس فقال: ياعمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك ؟ و الله لقد كنت متوقعا أن يأمرني بضرب عنقك قال: و لو أمرك لفعلت ؟ قال: إي و الله فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس فقال عمر: يا خالد ضع هذا السيف عنك و قال: اللهم إني قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجرالأنصاري و قال: يا عمرو و الله لتعلمن أنه ما بيني و بينك قرابة إلا قرابة الإسلام و لكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن و رأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة و أنت رجل من الأنصار خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي
و قال شعيب: حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها ؟ فقال أبوه: رحمك الله و جزاك من ولد خيرا يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة و عروة عروة و متى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا يكثر فيه الدماء و الله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم أو ما ترضى أن لا يأتي أبيك يوم من أيام الدنيا إلا و هو يميت فيه بدعة و يحيى سنة ؟
و قال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء و الغضب و الطمع
و قال أرطأة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخذت حرسا و احترزت في طعامك و شرابك فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي
و قال عدي بن الفضل: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال اتقوا الله أيها الناس و أجملوا في الطلب فإن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته
و قال أزهر: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس و عليه قميص مرقوع
و قال عبد الله بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبه واحدة يرددها و يفتتحها بسبع كلمات: الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلله فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمد عبده و رسوله من يطع الله و رسوله فقد رشد و من يعص الله و رسوله فقد غوى ثم يوصى بتقوى الله و يتكلم ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات: { يا عبادي الذين أسرفوا } إلى تمامها
و قال حاجب بن خليفة البرجمي: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب و هو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه و سلم و صاحباه فهو دين نأخذ به و ننتهي إليه و ما سن سواهما فإنا نرجئه
أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية
و أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد ـ و الناس يسلمون عليه ـ و يقولون: تقبل الله منا و منك يا أمير المؤمنين فيرد عليهم و لا ينكر عليهم
قلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد و العام و الشهر
و أخرج عن جعونة قال: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: اقبل من محسنهم و تجاوز مسيئهم و لتكن في أولهم فتقتل و لا في آخرهم فتفشل و لكن كن وسطا حيث يرى مكانك و يسمع صوتك
و أخرج عن السائب بن محمد قال: كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم و إنه لا يصلحهم إلا السيف و السوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم و أنه لا يصلحهم إلا السيف و السوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل و الحق فابسط ذلك فيهم و السلام
و أخرج عن أمية بن زيد القريشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى علي كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني
و أخرج عن صالح بن جبير قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوبا اتق غضبة الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ماترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته
و أخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن عيطة بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز فذهب ليقول فنهاه عمر فقال: إنما أذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: أما رسول الله صلى الله عليه و سلم فاذكره فقال:
( إن الذي ابتعث النبي محمدا ... جعل الخلافة للأمير العادل )
( رد المظالم حقها بيقينها ... عن جورها و أقام ميل المائل )
( و الله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل و للفقير العائل )
( إني لأرجو منك خيرا عاجلا ... و النفس مغرمة بحبي العاجل )
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقا قال: بلى يا أمير المنؤمنين إنني ابن سبيل فأمر له من خاصة ماله بخمسين دينارا
و في الطيوريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر عن حال ابنه ثم قال له: علمه الفقه الأكبر قال: و ما الفقه الأكبر ؟ قال: القناعة و كف الأذى
و أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر ابن عبد العزيز فقال: صف لي العدل فقلت بخ ! سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا و لكبيرهم ابنا و للمثل منهم أخا و للنساء كذلك و عاقب الناس على قدر ذنوبهم و على قدر أجسادهم و لا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتعد من العادين
و أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر
و أخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه
و قال الذهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال: لقد كان كنت ضالا فهديتني فقال عمر: اللهم إن كان صادقا و إلا فاصلبه واقطع يديه و رجليه فنفذت فيه دعوته فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك و قطعت أربعته و صلب بدمشق في القدر
و قال غيره: كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أبطله و كتب إلى نوابه بإبطاله و قرأ مكانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن
و قال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته:
( انه الفؤاد عن الصبا ... و عن انقياد للهوى )
( فلعمر ربك إن في ... شيب المفارق و الجلا )
( لك و اعظا لو كنت تت ... عظ اتعاظ ذوي النهى )
( حتى متى لا ترعوي ... و إلى متى و إلى متى ؟ )
( ما بعد أن سميت كه ... لا و استبلت اسم الفتى )
( بلي الشباب و أنت إن ... عمرت رهن للبلى )
( و كفى بذلك زاجرا ... للمرء من غي كفى )
فائدة: قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان عمر بن الخطاب أصلع و عثمان و علي و مروان بن الحكم و عمر بن عبد العزيز ثم انقطع الصلع عن الخلفاء
فائدة: قال الزبير بن بكار: قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز:
( بنت الخليفة و الخليفة جدها ... أخت الخلائف و الخليفة زوجها )
قال: فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها
قلت: و لا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا