فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 146

المعتضد بالله بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم 279 هـ ـ 289 ه

المعتضد بالله: أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد في ذي القعدة سنة اثنتين و أربعين و مائتين

و قال الصولي: في ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين و مائتين و أمه أم ولد اسمها صواب و قيل: حرز و قيل ضرار و بويع له رجب سنة تسع و سبعين و مائتين بعد عمه المعتمد و كان ملكا شجاعا مهيبا ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس و كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته و كان قليل الرحمة: إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفيره و يطم عليه و كان ذا سياسة عظيمة

قال عبد الله بي حمدون: خرج المعتضد يتصيد فنزل إلى جانب مقثأة ـ و أنا معه ـ فصاح الناطور فقال: علي به فأحضر فسأله فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد المقثأة ثم كلمني بعد مدة فقال: أصدقني فيما ينكر علي الناس قلت: الدماء قال: و الله ما سفكت دما حراما منذ وليت قلت أحمد بن الطيب ؟ قال: دعاني إلى الإلحاد قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة ؟ قال: و الله ما قتلتهم و إنما قتلت لصوصا قد قتلوا و أوهمت أنهم هم

و قال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد و على رأسه أحداث صباح الوجوه روم فنظرت إليهم فلما أردت القيام قال لي: أيها القاضي و الله ما حللت سراويلي على حرام قط

و دخلت مرة فدفع إلي كتابا فنظرت فيه فإذا هو قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء فقلت: مصنف هذا زنديق فقال: أمختلق ؟ قلت: لا و لكن من أباح المسكر لم يبح المتعة و من أباح المتعة لم يبح الغناء و ما من عالم إلا و له زله و من أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه فأمر بالكتاب فأحرق

و كان المعتضد شهما جلدا موصوفا بالرجلة قد لقي الحروب و عرف فضله فقام بالأمر أحسن قيام و هابه الناس و رهبوه أحسن رهبة و سكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته

و كانت أيامه طيبة كثيرة الأمن و الرخاء

و كان قد أسقط المكوس و نشر العدل و رفع الظلم عن الرعية

و كان يسمى [ السفاح الثاني ] لأنه جدد ملك بني العباس و كان قد خلق و ضعف و كاد يزول و كان في اضطرب من وقت قتل المتوكل و في ذلك يقول ابن الرومي يمدحه:

( هنيئا بني العباس إن إمامكم ... إمام الهدى و البأس و الجود أحمد )

( كما بأبي العباس أنشئ ملككم ... كذا بأبي العباس أيضا يجدد )

( إمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلهف ملهوف و يشتاقه الغد )

و قال في ذلك ابن المعتز أيضا:

( أما ترى ملك بني هاشم ... عاد عزيزا بعدما ذللا )

( يا طالبا للملك كن مثله ... تستوجب الملك و إلا فلا )

و في أول سنة استخلف فيه منع الوارقين من بيع كتب الفلاسفة و ما شاكلها و منع القصاص و المنجمين من القعود في الطريق و صلى بالناس صلاة الأضحى فكبر في الأولى ستا و في الثانية واحدة و لم تسمع منه الخطبة

و في سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان و فشا أمره و وقع القتال بينه و بين صاحب إفريقية و صار أمره في زيادة

و فيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال و أن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فبهت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل و أعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف و خمسين ألفا

و في سنة إحدى و ثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم

و فيها غارت مياه الري و طبرستان حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم و قحط الناس و أكلوا الجيف

و فيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة وصيرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام

و في سنة اثنتين و ثمانين أبطل ما يفعل في النيروز: من وقيد النيران و صب الماء على الناس و أزال سنة المجوس

و فيها زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون فدخل عليها في ربيع الأول و كان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة و عشر صناديق جوهر

و في سنة ثلاث و ثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام و أن يبطل ديوان المواريث و كثر الدعاء للمعتضد

و في سنة أربع و ثمانين ظهرت بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر و كذا الحيطان فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى و كانت من العصر إلى الليل

قال ابن جرير: و فيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة فلم يلتفت و كتب كتابا في ذلك ذكر فيه كثيرا من مناقب علي و مثالب معاوية فقال له القاضي يوسف: يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيها قال: فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك ؟ و إذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل فأمسك المعتضد عن ذلك

و في سنة خمس و ثمانين هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء ثم صارت سوداء و امتدت في الأمصار و وقع عقبها برد زنة البردة مائة و خمسون درهما و قلعت الريح نحو خمسمائة نخلة و مطرت قرية حجارة سودا و بيضا

و في سنة ست و ثمانين ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي و قويت شوكته ـ و هو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود ـ و وقع القتال بينه و بين عسكر الخليفة و أغار على البصرة و نواحيها و هزم جيش الخليفة مرات

و من أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب و ابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي قال: وجه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول: إن لي على فلان مالا و قد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك و قد قسطت لهم من ماله فاجعلنا كأحدهم فقال أبو حازم: قل له: أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدني إنه قد أخرج الأمر من عنقه و جعله في عنقي و لا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة فرجع إليه فأخبره فقال: قل له: فلان و فلان يشهدان ـ يعني رجلين جليلين ـ فقال: يشهدان عندي و أسأل عنهما ؟ فإن زكيا قبلت شهادتهما و إلا أمضيت ما قد ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعا و لم يدفع إلى المعتضد شيئا

و قال ابن حمدون النديم: غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار و كان يخلوا فيها مع جواريه و فيهن محبوبته دريرة فقال ابن بسام:

( ترك الناس بحيره ... و تخلى في البحيره )

( قاعدا يضرب بالطبـ ... ل على حر دريره )

فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد فجزع عليها شديدا و قال يرثيها:

( يا حبيبا لم يكن يعـ ... دله عندي حبيب )

( أنت عن عيني بعيد ... و من القلب قريب )

( ليس لي بعدك في شـ ... يء من اللهو نصيب )

( لك من قلبي على قلـ ... بي و إن بنت رقيب )

( و خيال منك مذ عبـ ... ت خيال لا يغيب )

( لو تراني كيف لي بعـ ... دك عول و نحيب ؟ )

( و فؤادي حشوه من ... حرق الحزن لهيب )

( لتيقنت بأني ... فيك محزون كئيب )

( ما أرى نفسي و إن سلـ ... يتها عنك تطيب )

( لي دمع ليس يعصيـ ... ني و صبر ما يجيب )

و قال بعضهم يمدح المعتضد و هي على جزء جزء:

( طيف ألم ... بذي سلم )

( بين الخيم ... يطوي الأكم )

( جاد نعم ... يشفي السقم )

( ممن لئم ... و ملتزم )

( فيه هضم ... إذا يضم )

( داوى الألم ... ثم انصرم )

( فلم أنم ... شوقا و هم )

( اللوم ذم ... كم ثم كم )

( لوم الأصم ؟ ... أحمد لم )

( كل الثلم ... مما انهدم )

( هو العلم ... و المعتصم )

( خير النسم ... خالا و عم )

( حوى الهمم ... و ما احتلم )

( طود أشم ... شمح الشيم )

( جلا الظلم ... كالبدر تم )

( رعى الذمم ... حمى الحرم )

( فلم يؤم ... خص و عم )

( بما قسم ... له النعم )

( مع النقم ... و الخير جم )

( إذا ابتسم ... و الماء دم )

( إذا انتقم )

اعتل المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين علة صعبة و كان مزاجه تغير من كثرة إفراطه في الجماع ثم تماسك فقال ابن المعتز:

( طار قلبي بجناح الوجيب ... جزعا من حادثات الخطوب )

( و حذارا أن يشاك بسوء ... أسد الملك و سيف الحروب )

ثم انتكس و مات يوم الاثنين لثمان بقين منه

و حكى المسعودي قال: شكوا في موت المعتضد فتقدم إليه الطبيب و جس نبضه ففتح عينيه و رفس الطبيب برجله فتدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته و لما احتضر أنشد:

( تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... و خذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا )

( و لا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا و لم يرع لي حقا )

( قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا و لم أمهل على ظنة خلقا )

( و أخيلت دور الملك من كل بازل ... و شتتهم غربا و مزقتهم شرقا )

( فلما بلغت النجم عزا و رفعة ... و دانت رقاب الخلق أجمع لي رقا )

( رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى )

( فأفسدت دنياي و ديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى ؟ )

( فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى نعمة الله أم نارة ألقى ؟ )

و من شعر المعتضد:

( يا لا حظي بالفتور و الدعج ... و قاتلي بالدلال و الغنج )

( أشكو إليك الذي لقيت من ال ... وجد فهل لي إليك من فرج )

( حللت بالطرف و الجمال من الن ... اس محل العيون و المهج )

و له أنشده الصولي

( لم يلق من حر الفراق ... أحد كما أنا منه لاق )

( يا سائلي عن طعمه ... ألفيته مر المذاق )

( جسمي يذوب و مقلتي ... عبرى و قلبي ذو احتراق )

( ما لي أليف بعدكم ... إلا اكتئابي و اشتياقي )

( فالله يحفظكم جميعـ ... ا في مقام و انطلاق )

و لابن المعتز يرثيه:

( يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... و أنت والد سوء تأكل الولدا )

( أستغفر الله بل ذا كله قدر ... رضيت بالله ربا واحدا صمدا )

( يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالظاهرية مفصى الدار منفردا )

( أين الجيوش التي قد كنت تنجبها ؟ ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا )

( أين السرير الذي قد كنت تملؤه ؟ ... مهابة من رأته عينه ارتعدا )

( أين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم ؟ ... أين الليوث التي صيرتها بددا )

( أين الجياد التي حجلتها بدم ؟ ... و كن يحملن منك الضيغم الأسدا )

( أين الرماح التي غديتها مهجا ؟ ... مذ مت ما وردت قلبا و لا كبدا )

( أين الجنان التي تجري جداولها ؟ ... و تستجيب إليها الطائر الغردا )

( أين الوصائف كالغزلان راتعة ؟ ... يسحبن من حلل موشية جددا )

( أين الملاهي ؟ و أين الراح تحسبها ؟ ... يا قوتة كسيت من فضة زردا )

( أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا ؟ ... صلاح ملك بني العباس إذ فسدا )

( ما زلت تقسر منهم كل قسورة ... و تحطم العالي الجبار معتمدا )

( ثم انقضيت فلا عين و لا أثر ... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا )

مات في أيام المعتضد من الأعلام: ابن المواز المالكي و ابن أبي الدنيا و إسماعيل القاضي و الحارث بن أبي أسامة و أبو العيناء و المبرد و أبو سعيد الخراز شيخ الصوفية و البحتري الشاعر و خلائق آخرون

و خلف المعتضد من الأولاد أربعة ذكور و من الإناث إحدى عشرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت