فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 497

الوجه الثالث: أن عمر رضي الله عنه كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال: فقيل: شفقته على رسول الله عليه الصلاة والسلام مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد غلبه الوجع فكره أن يتكلف رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يشق ويثقل عليه، مع استحضاره قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ {الأنعام: 38} ، وقوله: تبيانًا لكل شيء. {النحل: 89}

وقيل: إنه خشي تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل، نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم.

وقيل: إنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة.

ولا يبعد أن يكون عمر رضي الله عنه لاحظ هذه الأمور كلها، أو كان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول عليه الصلاة والسلام بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.

قال النووي: وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره.

الوجه الرابع: أن عمر رضي الله عنه كان مجتهدًا في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر رواه البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت