فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 497

ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر رضي الله عنه، وذلك بترك الرسول عليه الصلاة والسلام كتابة الكتاب، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، ولا يعقل أن يكون الرسول ترك أمرًا واجبًا وقصَّر في أدائه، كيف وهو المبلغ عن ربه قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا {المائدة:3}

فلو كان الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لمخالفة من خالف، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيي من حيي عن بينة.

فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر -رحمهما الله-. وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولًا، ثم تركه له بعد ذلك ما ذكره النووي حيث قال: كان النبي همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول.

الوجه الثاني: أن قول عمر رضي الله عنه: حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه لا على أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا ظاهر من قوله: عندكم كتاب الله فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر رضي الله عنه في رأيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت