تقدّم أنّ الشيخ أبا محمد لا يأخذ بالتأويل المتعسف والمتكلف، وها هو يزيد الأمر وضوحًا فيلزم نفسه أن يكون توجيهه للأحاديث قريبًا وسهلًا؛ لئلا يزداد الإشكال؛ ولذلك تراه في بعض المواضع يؤكّد أنّ"هذا التأويل ـ بحمد الله ـ سهلٌ قريبٌ" [ص 266] ، ويجزم للمبتدئ بقوله:"أما المتناقض فنحن مُخبروك بالمخارج منه، ومنبِّهوك على ما تأخر عنه علمك، وقصر عنه نظرك" [ص 86] ، وإنْ كان التعبير بالتناقض هنا غير مناسب لمعنى التوجيه؛ إلا أن يريد أنه يبدو متناقضًا في الظاهر لا في الأمر نفسه.
والتأويل عند ابن قتيبة: إما أنه جمعٌ للأحاديث؛ لإعمالها جميعًا ولو من وجهٍ، وإما ترجيحٌ لبعضها على بعض، وإما بإدعاء النسخ في طائفةٍ منها؛ ولعل النسخ والترجيح عند ابن قتيبة عزيزان عزةَ المتواتر عند ابن الصلاح، وأشبه بطائرين قُصَّ منهما الجناح.
[أ] الجمع: ويلاحظ أنّ له في هذا الكتاب طرائق قددا.
فهو يجمع بين النهي عن المشي في نعلٍ واحدة [1] وما ورد من مشي النبي - صلى الله عليه وسلم - في نعلٍ واحدة بأنه المشي"خطوةً أو خطوتين أو ثلاثًا إلى أن"
(1) أحاديث النهي عن المشي في نعل واحدة رواها البخاري في كتاب اللباس باب لا يمشى في نعل واحدة رقم 5856، ومسلم في اللباس باب استحباب لبس النعال في اليمنى أولًا والخلع = من اليسرى أولًا وكراهة المشي في نعل واحدة، وقد روى الترمذي بسند صحيح عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ"وبسند صحيح أيضًا عن عائشة"أنها مشت بنعل واحدة"قال الترمذي:"هكذا رواه سفيان الثوري وغير واحد عن عبد الرحمن بن القاسم موقوفًا وهذا أصح". انظر: جامع الترمذى، دار الحديث، تحقيق ابراهيم عطوة، 4/ 344. والأمر في ذلك يسير؛ لقول النووي:"إن المسائل الثلاث مجمع على استحبابها، وأنها ليست واجبة". انظر: شرحه على مسلم، 14/ 75، وأفاد الحافظ ابن حجر مخالفة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أبا هريرة في هذه المسألة قال:"وقد ورد عن عليٍّ وابن عمر أيضًا أنهما فعلا ذلك؛ وهو إما أنْ يكون بلغهما النهي فحملاه على التنزيه، أو كان زمن فعلها يسيرًا بحيث يؤمن معه المحذور، أو لم يبلغهما النهي". انظر: فتح الباري، 11/ 494."