المطلب الأول: ما وُفِّق فيه ابنُ قتيبة
جاء كتابُ (التأويل) حافلًا بالمحاسن التي تأخذ بمجامع القلوب، والفضائل التي غطّتْ على ما فيه من العيوب؛ لاسيما والكتاب مؤلَّفٌ في فنٍّ من أدق فنون الحديث، وأحقها بالاعتناء في عصرنا الحديث حيث تمكّن الاستشكال، وتحكّم الجهّال، وصارت بعض البدع سننًا، وغدا العقل عند بعض الناس وثنًا؛ فمن هنا يُسجَّل لابن قتيبة أنه حاول في هذا الكتاب:
وهي مسألةٌ قديمةٌ حديثةٌ، ولا تزال في دنيا الفكر الإنساني قائمةً لا تزول إلا بتوحيد الاستنباط من القرآن والسنة.
فهذه المفارقة التي شهدتها مذاهب الإسلاميين باختلاف مدارسهم وفلسفاتهم، عمل ابن قتيبة على تقويمها بضوابط منهجيةٍ؛ تحكم العلاقة بين ضعف العقل ونفاده، وقوة الوحي ونفاذه إلى صميم المعارف: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [1] .
(1) سورة الملك، الآية (14) .