فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 56

فهذا ما أدلى فيه أبو محمد بحجّته ابتغاء علاجه، وما أشبه زمانَنا بزمانه! فها هو ـ رحمه الله ـ يكثر الشكوى ممن يتوهّمون صلاح العقل في انبتاته عن دلائل الشرع التي تهديه، وانفكاكه عن التصديق بكل ما لم يقع تحت ناظريه، ولم يتحسّسه بين كفّيه كما قال سبحانه وتعالى: {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [1] !

واسمع أبا محمد يتكلّم عن حديث البخاري: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً و في الآخر شِفَاءً) [2] فيقول:"ما ينكر من أن يكون في الذباب سُمٌّ وشفاءٌ إذا تركنا طريق الديانة، ورجعنا إلى الفلسفة؟ وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية؟ فإن الأطباء يذكرون أنّ لحمها شفاءٌ من سمِّها إذا عمل منه الترياق الأكبر .. وكذلك قالوا في العقرب: إنها إذا شُقَّ بطنُها ثم شُدَّتْ على موضع اللسعة نفعت" [ص 230] ، حتى قال:"وهذا يدلّ على طبيعةٍ فيها شفاءٌ أو سُمٌّ؛ وكيف تكون البهائم والحشرات لا تفهم إذا نحن تركنا طريق الديانة، وقلنا بالفلسفة وبما يلحقه العيان؛ ونحن نرى الذرة [3] تدّخر في الصيف للشتاء؛ فإذا خافت العفن على ما ادخرت من الحَبّ أخرجته إلى ظاهر"

(1) سورة الرعد، الآية (14) .

(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، حديث رقم 3300. فتح الباري، 6/ 517.

(3) الذَّرُّ: صغار النمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت