الأرض، فنشرته ليلًا في القمر؛ فإذا خافت نباتَ الَحبِّ نقرتْ وسط الحبة لئلا تنبت"، ثم ذكر ابن قتيبة طرفًا مما تتداوى به الحيوانات بما فطرها الله وألهمها إياه، ثم ختم بقوله: أرى هذه على مذاهب الفلاسفة تفهم وتُحسن الطب أيضًا؛ وهذا أعجب من معرفة الذباب بالسم والشفاء في جناحيه" [ص 31] .
وهاهو ابن قتيبة يجيب من ينفي أن تعمل العين من بُعد، حتى تُعِل وتُسْقِم بأن هذا:"صحيحٌ في النظر من جهة الديانة، ومن جهة الفلسفة التي يرتضون بها ويردّون الأمر إليها" [ص 238] ، حتى قال:"فما الذي يُنكَر من أن يكون في الناس ذو طبيعةٍ في نفسه ذات سُمٍّ وضررٍ؟ فإذا نظر بعينه فأعجبه ما يراه؛ فصل من عينيه في الهواء شيءٌ من تلك الطبيعة أو ذلك السم؛ حتى يصل إلى المرئيّ فيُعلّه"واستدلّ أبو محمد بأنّ مما يُشبه هذا القول أنّ المرأة الطامث تدنو من إناء اللبن لتسوطه وهي منظفة الكف والثوب؛ فيفسد اللبن، وهذا معروفٌ مشهورٌ، وليس ذلك إلا لشيءٍ فصل عنها حتى وصل إلى اللبن، وقد تدخل البستان فتضرّ بكثير من الغروس فيه من غير أن تمسَّها، وقد يفسد العجين إذا قطع في البيت الذي فيه البطيخ، وناقف الحنظل تدمع عيناه، وكذلك موخف [1] الخردل وقاطع البصل؛ وقد ينظر الإنسان إلى العين المحمرة فتدمع عينه. وربما
(1) هو الذي يبُله ويلزجه، قال ابن منظور: وَخَفَهُ وأَوْخَفَهُ: ضربه بيده وبلَّه؛ ليتلجَّن ويتلزَّج، لسان العرب، 9/ 354.