وكلام أبي محمد في غاية النفاسة يشهد له قول النحويين: إنّ"أفعالًا"من الأوزان الأربعة لجمع القلة [1] ، وأنّ من معاني التصغير تقليل العدد [2] ، ولا يتعارض ذلك مع أنّ الظاهر كون التصغير للترحُّم وإبداء المحبة والشفقة من سيّد الخلق - صلى الله عليه وسلم -.
ويظهر هذا المسلك في توجيهه ما حكاه حذيفة - رضي الله عنه - من بول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واقفًا مع نفي أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقوع مثل ذلك [3] بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبل قائمًا قط في منزله والموضع الذي كانت تحضره عائشة ـ رضي الله عنها ـ ... وكذلك الموضع الذي رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة يبول قائمًا كان مزبلة لقوم؛ فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة. وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار" [ص 92] ."
(1) راجع: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، دار الفكر، ط 1415 هـ، 2/ 238.
(2) المرجع السابق، 2/ 254.
(3) روى ابن ماجة في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول قائمًا، ثلاثة أحاديث عن حذيفة والمغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائمًا. وهي أحاديث صحيحةٌ في جملتها؛ لكون عنعنة الأعمش مغتفرة بمتابعة عاصم ومنصور عن أبي وائل، وما في ضبط عاصم ينجبر بموافقة صاحبيه. وقد أورد ابن ماجة حديثًا صحيحًا ضمن أربعة أحاديث من باب في البول قاعدًا، عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ أَنَا رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَاعِدًا)، وروى قول الثوري: (الرجال أعلم بهذا منها) وقول أحمد بن عبد الرحمن المخزومي: (كان من شأن العرب البول قائمًا؛ ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول:(يقعد ويبول كما تبول المرأة) .