فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 143

لا شك في أن أكثرية الأمة الفرنسية كانت ملكية أيام المجلس التأسيسي الذي هو

مَلَكي أيضًا، وكان من المحتمل أن يظل الملك قابضًا على زمام الحكم لو رضي بنظام

ملكي دستوري، ولم يكن عليه إلا أن يأتي بعمل قليل ليتفاهم هو والمجلس، ولكن هذا

العمل كان يتعذر على رجل مثله، ولو رضي بتعديل النظام الملكي الذي انتقل إليه عن

الآباء لانتصبت أمامه أشباح أجداده وحالت دون هذا، أضف إلى هذا أنه كان يستحيل

عليه أن يتغلب على أسرته وعلى الإكليروس والأشراف والبطانة، أي على الطبقات التي

استند إليها النظام الملكي والتي كانت ذات قوة تضاهي قوة الملك تقريبًا، والقوة هي

التي كانت تُكره الملك على الإذعان، واستغاثته بالأجنبي تدلنا على أن اليأس بلغ فيه

منتهاه حينما رأى تداعي أركانه الطبيعية كلِّها.

ولما رأى زعماء الأندية أن المجلس التأسيسي ملكي من كل وجه سلطوا عليه الشعب

الذي لم يلبث أن طلب منه أن يجمع مجلسًا جديدًا ليحاكم لويس السادس عشر، وعزم

المجلس التأسيسي على الدفاع حيال ذلك، فساق - بقيادة لافايت - كتيبة من الحرس

الوطني إلى حي شاندومارس لتشتيت الجماعة المحتشدة هناك.

إلا أن المجلس التأسيسي لم يُصر على المقاومة طويلًا، فقد نشأ عن شدة جبنه أمام

الشعب انتزاعه كل يوم شيئًا من امتيازات الملك وسلطته، حتى صار الملك موظفًا بسيطًا.

نعم، ظن المجلس التأسيسي أنه قادر على القيام بأعباء السلطة التي انتزعها من

الملك، ولكن ذلك كان فوق طاقته، فالسلطة الكثيرة التجزئة لا عمل لها.

لم يلبث المجلس التأسيسي، الذي ظنَّ أنه قبض على مختلف السلطات وأنه يتصرف

فيها على طريقة لويس الرابع عشر، أن عجز عن العمل، وكلما ضعفت قدرته تفاقمت

الفوضى، ولم يكفَّ الزعماءُ طرفة عين عن تهييج الشعب، فأصبحت الفتنة شاملة للبلاد

كلها، واستولى على المجلس كل يوم فئة من المشاغبين المتجبرين فتملي عليه رغائبها

متوعدة منذرة.

ولم تكن تلك الفتن الشعبية، التي أطاعها المجلس على رغمه، غريزية، بل كانت

صادرة عن الأندية والجمعية الثورية، وكان النادي اليعقوبي أقوى الأندية، ولسرعان ما

أَسَّسَ في الولايات خمسمئة فرع له، واستمر سلطانه أيام الثورة الفرنسية كلها، وتسلط

على فرنسة جميعها بعد تسلُّطه على المجلس التأسيسي، ولم يزاحمه غير الجمعية الثورية

التي انحصر نفوذها في باريس، ولما صار الشعب غير راضٍ عن المجلس التأسيسي،

لضعفه وعجزه، أسرع هذا المجلس في إتمام الدستور الجديد لينفضَّ بعد ذلك، وكان هذا

المجلس سخيفًا في قراره الأخير الذي صرَّح فيه أنه لا حق لأعضاء المجلس التأسيسي أن

يكونوا أعضاء في المجلس الاشتراعي القادم، فقد حُرِم أعضاءُ المجلس الاشتراعي تجربة

سلفهم بذلك.

تم وضع الدستور في 3 من سبتمبر سنة 1791، وفي 13 منه وافق عليه الملك

الذي أعاد إليه المجلس سلطته، وقد نص هذا الدستور على حكومة نيابية فعهد في

السلطة الاشتراعية إلى نواب ينتخبهم الشعب وعهد في السلطة التنفيذية إلى ملك يحق له

أن يرفض قرارات المجلس، ثم قسم المملكة إلى مديريات بدلًا من تقسيمها السابق إلى

ولايات، وألغى الضرائب القديمة مقيمًا في مكانها ما هو معمول به حتى الآن من ضرائب

مقررة وغير مقررة.

وقد ظن المجلس التأسيسي الذي غير تقسيم المملكة وقلب نظامها الاجتماعي القديم

أنه قادر على تحويل نظامها الديني أيضًا، فأراد أن يستولي على نفوذ البابا في البلاد، وذلك

بأن يجعل الشعب منتخبًا لرجال الإكليروس، وقد أدى هذا القانون المدني الإكليروسي إلى

اضطهادات دينية استمرت حتى العهد القنصلي، ونشأ عنها امتناع ثلثي القساوسة عن

حلف يمين الإخلاص.

أتت الثورة الفرنسية في دور المجلس التأسيسي، الذي استمر ثلاث سنين، بنتائج

عظيمة، وربما كان أهمها نقل ثروة أصحاب الامتيازات إلى أبناء الطبقة الثالثة، فأدى

ذلك إلى ظهور أنصار ملتهبين حماسة للنظام الجديد، وبعد أن أدرك أبناء الطبقة الثالثة

الذين حلوا محل الأشراف، والفلاحون الذين اشتروا الأملاك الوطنية، أن إعادة النظام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت