كالطاهي الذي مر ذكره، وكلهم يعتقد أنه قائم بواجب وطني، وقد قاموا بعملين،
فكانوا قضاة وجلادين، ولكنهم لم يروا أنفسهم من الجناة أبدًا، بل وقر في نفوسهم أنه
واجب من أكبر الواجبات، وأول ما بدأوا به أن شكلوا محكمة، هنالك ظهرت بساطة
روح الجماعات وبساطة عدالتها، ذلك أن المحكمة رأت عدد المتهمين كبيرًا، فقررت أولًا
قتل الشرفاء والقسوس والضباط وخدام الملك، وبالجملة قتل جميع الذين يعتبرون في
نظر كل وطني جناة بمقتضى صناعتهم، وأن يكون القتل جملة من دون احتياج إلى
حكم خاص. وأما الباقون فيحكم عليهم بناء على سمعتهم أو شهرتهم. فلما اطمأنت
نفوس الجماعة بهذا القرار انطلقت تنفذ ما حكم به القضاء، فبرزت كوامن القسوة
والتوحش اللذين شرحناهما من قبل، والتوحش يزداد فظاعة وعنفًا في المجامع، إلا أن
الغرائز الهمجية لا تمنع من ظهور مشاعر تناقضها كما هو الشأن في الجماعات، ولذلك
كان يوجد في تلك الجماعة من عاطفة التأثر ما يبلغ في شدته تلك القسوة الهائلة.
كان لأولئك القتالين عطف صناع باريس ولطف شعورهم، من ذلك أن أحدهم
علم أن المسجونين لم يذوقوا الماء منذ ست وعشرين ساعة، فشرع في قتل السجان لولا
شفاعة السجناء، وكانوا إذا برَّأت المحكمة التي أقاموها واحدًا من المتهمين فرحوا وهللوا
وانهالوا عليه يقبلونه وصفقوا تصفيقًا طويلًا، ثم انقلبوا يقتلون غيره أكداسًا. كانوا
يقتلون والسرور لا يفارق محياهم، يغنون ويرقصون، ويعدون المقاعد للنساء لتشاهد
وهي فرِحة قَتْلَ الشرفاء. وكان لهم عدل من نوع خاص يدلك عليه أن أحد الموكلين
بالتقتيل شكا من أن النساء لا يشاهدن القتل لبُعدهن عن مكانه، وأن القليل من الناس
هو الذي ينال حظ ضرب الشرفاء، فصوب الجميع شكواه وقرروا أن يمشي المتهمون
الهوينا بين صفين من القتالين، وأمروا هؤلاء أن لا يضربوهم إلا بظاهر السيوف حتى
يطول أمد العذاب. وكان فريق يأتي بالمتهمين عراة كما ولدتهم الأمهات، ثم يمزقون
أجسامهم مدى نصف ساعة كاملة، فإذا تمت للجميع مشاهدة هذا المنظر أجهزوا على
المعذبين فبقروا بطونهم.
ومع ذلك كنت تشاهد الأمانة لا تزال ملازمة للقاتلين، فكانوا يظهرون من الفضائل
ما ذكرناه للجماعات من قبل ويأبون أن يتناولوا شيئًا من نقود المقتولين وحليهم، بل
يقدمونها لِلَّجنة.
وكانت بساطة التعقل التي انفردت بها روح الجماعات تظهر في أفعالهم، من ذلك
أنهم لما فرغوا من قتل الألف والمائتين أو الألف وخمسمائة العدو للأمة لاحظ بعضهم
أن السجون الأخَُر تضم أناسًا لا فائدة منهم، وأن الأولى إعدامهم، فسارت الجماعة
إلى الموافقة على هذا الرأي، وكان من في السجون الأخر أناسًا من الشحاذين والهمل
(المتشردين) والأولاد. فرأت الجماعة أنه لا بد من وجود أعداء للأمة بينهم، كامرأة رجل
كان قد قتل نفسًا بالسم إذ قال بعضهم»: لا بد أنها متغيظة من وجودها في السجن،
ولو تمكنت لوضعت النار في باريس ولا بد أن تكون قد قالت ذلك، بل قالته، إذن حق
عليها الإعدام «.سرى هذا القول في النفوس كالحجة الناصعة وهرولت الجماعة، فقتلت
كل من كان في تلك السجون وبينهم نحو خمسين غلامًا ما بين الثانية عشرة والثامنة
عشرة، وقالوا في قتلهم إنهم إذا عاشوا لا يبعد أن يصيروا من أعداء الأمة، فالواجب
التخلص من شرهم.
ولما أتم القاتلون عملهم بعد أن زاولوه مدة أسبوع كامل فكروا في الراحة واعتقدوا
أنهم خدموا الوطن خدمة يستحقون الجزاء من أجلها، ورغبوا إلى حكومة ذلك الزمن
أن تكافئهم، ومنهم من طلب وسامًا.
وفي تاريخ ثورة 1871 أمثلة كثيرة كالتي قدمناها، وسنرى كثيرًا غيرها ما دام
سلطان الجماعات ينمو ويعظم، وسلطان الحكومة ينزوي ويضعف.