فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 102

مختلفتين تمامًا، وحينئذٍ ينجلي للباحث أن تعاليم النظر المحض تخالف غالبًا تعاليم

النظر العملي، وليس من النتائج حتى نتائج الأبحاث الطبيعية ما يشذ عن هذه القاعدة

إلَّا يسيرًا. انظر إلى مكعب أو دائرة تجدها من حيث الحقيقة المطلقة صورًا حسابية ثابتة

لها صيغ تضبطها ضبطًا دقيقًا، لكنها قد تحضر أمام العين بصور مختلفة، فقد ترى

المكعب هرمًا أو مربعًا، وقد ترى الدائرة قطعًا ناقصًا أو خطٍّا مستقيمًا. ويجب الاهتمام

بهذه الصور الصورية أكثر من الاهتمام بتلك الصور الحقيقية؛ لأنها هي التي تتراءى

أمامنا وهي التي يمكن للرسم أو لآلة التصوير أن تنقلها لنا، ومن هنا جاز القول بأن

الصوري حقيقي أكثر من الحقيقي في بعض الأحوال لأن تشخيص الأشكال الهندسية

بصورها الحسابية المنضبطة عبارة عن تشويه طبيعتها وجعلها تخفى على الناظرين،

فلو فرضنا عالمًا لا يسعهم إلا رسم الأشياء أو نقلها بآلة التصوير من دون أن يتمكنوا من

لمسها لَتَعسرعليهم استحضار صورتها الحقيقية في أذهانهم، على أن معرفة تلك الصورة

الحقيقية من العدد القليل - أعني العلماء - لا يفيد إلا فائدة صغيرة جدٍّا.

إذن وجب على الحكيم الذي يبحث في الأحوال الاجتماعية أن لا يغفل عما لهذه الأحوال

من القيمة العملية بجانب قيمتها العلمية، وأن الأولى هي التي لها شيء من الأهمية في

تطور المدنيات، وملاحظة ذلك تقتضي الحيطة والحذر من الوقوف عند ما قد يسوق إليه

الاستنتاج المنطقي بادئ بدء.

وهناك أسباب أخرى تدعو إلى هذا الحذر: منها أن الأحوال الاجتماعية عويصة

مشتبكة يتعذر على الباحث أن يحيط بها كلها وأن يتعرف ما لها من التأثير وما بينها

من التفاعل، ومنها أن وراء الحوادث الظاهرة مؤثرات خافية كثيرة جدٍّا، إذ يظهر أن

الأولى ليست إلا نتيجة عمل عظيم يقع على غير علم منا، وهو في الغالب فوق بحثنا، فمثل

الحوادث الظاهرة مثل الأمواج المتلاطمة التي تُترجِم فوق سطح البحر عما هو واقع في

جوفه من الاضطرابات التي خفيت عنا. ونحن إذا نظرنا إلى الجماعات نراها تأتي من

الأعمال بما يدل على انحطاط مداركها انحطاطًا كليٍّا، غير أن لها أعمالًا أخرى يظهر أنها

منقادة فيها بقوة خفية سماها الأقدمون قدرًا أو طبيعة أو يدًا صمدانية، وسماها أهل

هذا الزمان (صوت من في القبور) ، وعلى كل حال لا يسعنا أن ننكر ما لها من القوة وإن

جهلنا كنهها، وكثيرًا ما يظهر أن في باطن الأمم قوى كامنة ترشدها وتهديها أنك لا تجد

شيئًا أكثر تعقيدًا ولا أدق ترتيبًا وأجمل خلقًا من اللغة، وما مصدر هذا الشيء الغريب في

نظامه العجيب في أسلوبه إلا روح الجماعات تلك الروح اللا شاعرة. وأعلم المجامع العلمية

وأرقى النحويين إنما يجهدون النفس في تدوين قواعد اللغات، وهم لا شك عاجزون عن

خلقها، كذلك لسنا على يقين من أن الأفكار السامية التي يحدثها النابغون من فطاحل

القوم إنما هي عملهم خاصة، نعم هم الذين أوجدوها، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن ذرات

التراب التي تراكمت فصارت منبتًا لتلك الأفكار إنما كونتها روح الجماعات التي وجد

أولئك النابغون فيها.

تتجرد الجماعات دائمًا عن الشعور بعملها، وقد يكون هذا هو السر في قوتها على أنا

نشاهد في الطبيعة أن الذوات الخاضعة لمجرد الإلهام تأتي بأعمال دقيقة يحار الإنسان

في معرفة جليل صنعها، ذلك أن العقل جديد في الوجود الإنساني وفيه نقص كبير، فلا

قدرة لنا به على معرفة قوانين الأفعال اللاشعورية، فما بالك إن حاولنا وضع غيرها في

مكانها أن نَصيب اللاشعور في جميع أعمال الإنسان عظيم وافر ونصيب العقل فيها

صغير للغاية، والأول يعمل ويؤثر كقوة لا تزال معرفتها غائبة عنا.

وعليه إذا أردنا أن نقف عند الحدود الضيقة المأمونة في معرفة الأشياء من طريق

العقل ولا نهيم في أودية التخمينات المبهمة والفرضيات العقيمة لزمنا، أن نقتصر على

تقرير الحوادث التي تقع تحت حواسنا، وكل استنتاج مبني على هذه المشاهدات بعد ذلك

يكون تسرعًا في غالب الأحيان؛ لأنه يوجد خلف الحوادث التي نراها جيدًا حوادث لا نراها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت