ويجذبونها إليهم كالمغناطيس، وإن ساووهم في المنزلة بين أمتهم، ولم يكن لهم شيء من
وسائل التسلط والغلبة ويبثون فيهم أفكارهم وينقلون إليهم مشاعرهم، وأولئك يطيعون
أمرهم كما يطيع الحيوان المفترس أوامر مُروِّضه وإن كان في استطاعته افتراسه بالسهولة
لو أراد.
كان هذا النفوذ الكبير لجميع العظماء من قواد الجماعات مثل بوذا وعيسى ومحمد
صلى الله عليه وسلم وجان دارك ونابليون، وهو السبب في تمكنهم، فإنما تتسلط الآلهة والأبطال والمذاهب
تسلطًا لا دخول للمناظرة فيه، بل ذلك السلطان يزول إذا بحث فيه.
كان أولئك العظماء ذوي قوة أخاذة قبل اشتهارهم، وتلك القوة هي السبب في
شهرتهم، فلما بلغ نابليون مثلًا ذروة المعالي كان له نفوذ شامل بمقتضى منعته
وسلطانه، إلا أنه كان له شيء منه يوم لم يكن له من السلطة ولم يكن معروفًا لدى أحد،
فلما ترقى إلى رتبة لواء (جنرال) ، وكان لا يزال مجهولًا عهد إليه من كان مستصنعًا له
بقيادة الجيش الفرنساوي المحارب في بلاد إيتاليا، فوجد نفسه بين لواءات عتاة أشداء،
وكانوا قد أجمعوا أمرهم على الإغلاظ له في المقابلة لاعتبارهم إياه دخيلًا بينهم، ولكنه ما
عتم أن أخذ بزمامهم من أول التقائه بهم بلا كلام ولا إشارة ولا وعيد، بل بأول نظرة
من ذلك الذي قدر له أن يكون من العظماء. وإليك كيف كان اللقاء:
» جاء قواد الفرق إلى المعسكر العام وقلوبهم نافرة من هذا الرجل حديث النعمة،
وكان بينهم اللواء (أوجيرو) وهو جندي عظيم الجثة غليظ الطبع مختال بطول نجاده،
فخور بشجاعته، وكان ممتعضًا ينساب بالشتائم على نابليون من يوم أن سمع به وعرف
أوصافه، فسماه صنيعة (باراس) ، ولواء الشارع ونعته بالدب؛ لأنه كان يحب التفكر
منعزلًا وذا سمنة صغيرة ومشهورًا بالرياضي الصغير وبالخيال، فلما اكتملوا أدخلوهم
غرفة الاستقبال، فأبطأ نابليون في الخروج إليهم، وبعد زمن بان لهم متقلدًا سيفه، ثم
اتشح بردائه وأخبرهم بنياته، وأنفذ إليهم أوامره وأشار إليهم بالانصراف. أما (أوجيرو)
فقد تولاه الصمت ولم يرجع إلى نفسه إلا بعد أن خرج، فجعل يسب كما كان يشتم من
قبل، ولكنه أقر مع زميله (مسينا) أن هذا القائد الصغير أوقع الرعب في قلبه وأنه حائر
في التأثير الذي أخذ به أول ما وقع بصره عليه «.
صار نابليون من كبار الرجال فزاد نفوذه بمقدار ما أوتي من المجد، وأصبح في
أعين الجماعات مساويًا للآلهة عند المتعبدين. اتفق أن القائد (فاندام) ، وكان جنديٍّا
ثوريٍّا خشن الطباع جاف الأخلاق أكثر من زميله (أوجيرو) ، قصد ذات يوم تويلري حيث
نابليون، وذلك سنة 1815 ومعه القائد (أورنانو) ، فقال الأول للثاني وهما صاعدان
فوق سلم القصر يحدثه عن نابليون»: أيها الصديق إن لذلك الرجل الشيطان في نفسي
تأثيرًا لست أدرك كُنْهَهُ حتى إنك لتراني مع كوني لا أخاف لله ولا الشيطان إذا اقتربت
منه تأخذني الرعشة كالطفل الصغير، ويخيل إليَّ أنه قادر على إدخالي في سَمِّ الخياط
وإحراقي بالنار «، وقد كان لنابليون مثل ذلك التأثير في جميع من يقترب منه. 6
هذا التأثير الذي فاق حد الإعجاب يبين لنا السبب في الاستقبال العظيم الذي
قوبل به نابليون يوم عودته من جزيرة» ألب، «وكيف أنه افتتح ثانية بلا إمهال قلوب
الأمة الفرنساوية وهو أعزل وليس معه مُعِين وأمامه جيوش تلك الأمة المنظمة، وكان
الناس يظنون أنها سئمت من جبروته عليها. حلف القواد الذين أرسلوا للقبض عليه أن
يفعلوا، فلم تكن إلا نظرة منه أخضعتهم وهم صامتون. وكتب القائد (ولسلي) في ذلك
يقول: نزل نابليون من السفينة إلى بر البلاد الفرنساوية وليس معه إلا قليل من رجاله
الخصوصيين، كأنه فارٌّ من جزيرة ألب الصغيرة التي كانت كل ما يقدر أن يتسلط عليه،
فما لبث بضعة أسابيع حتى قلب نظام الإدارة الفرنساوية كلها على مرأى من ملكها
الشرعي، وذلك من غير أن يريق قطرة دم لواحد من أهلها، بل بمحض نفوذه الشخصي
مما لم يسبق له مثيل في الدنيا، وأعجب منه ما كان له من التأثير في حلفائه أثناء هذه