قالوا إن لحب التقليد تأثيرًا كبيرًا في الناس، وليس التقليد إلا أثرًا بسيطًا من
العدوى، وقد بينت أثر التقليد منذ خمس عشرة سنة في غير هذا الكتاب، فأكتفي بإيراد
ما قلته إذ ذاك مما شرحه بعد ذلك الكتاب حديثًا:
الرجل شبيه بالحيوان يميل بطبعه إلى التقليد، فالتقليد من حاجاته على شرط
سهولته، وهذه الحاجة هي التي تجعل للبدئ (المودة) تأثيرًا كبيرًا، والقليل
من الناس لا يقلد سواء كان ذلك في الأفكار أو الآراء أو الأدبيات أو اللباس،
لأن الذي تقاد به الجماعات هو المثال لا البرهان، ولكل عصر أناس قليل
عددهم يستحدثون البدء فيقلدهم أبناء عصرهم فيها، وإنما يشترط أن لا
يبتعد المبتدع كثيرًا عن المألوف حتى لا يصعب التقليد فيضعف تأثير المبتدع،
ولذلك لم يكن للذين فاقوا عصرهم من كبار الرجال تأثير في قومهم إلا نادرًا
لبعد البون بينهما، ومن هنا قل تأثير الأوروبي في الشرقي مع ما للأول من
المزايا المدنية، لأن الخلف شديد بين الرجلين.
يتشابه أهل كل عصر في أمة بتأثير الزمن وتبادل التقليد، حتى الذين
يخيل أنهم متفاوتون، كالحكماء والعلماء والأدباء، فإنك ترى على أفكارهم
وما يكتبون صبغة عشيرة واحدة تدلك في الحال على أنهم أبناء عصر واحد،
ولا يلزم أن يطول الحديث مع رجل لمعرفة الدرس الذي يصبو إليه والعمل
الذي اعتاده، والبيئة التي يختلف إليها. 1
ويبلغ تأثير العدوى إلى حد أنه يتعدى توحيد الأفكار إلى توحيد كيفية التأثر
بالحوادث، فالعدوى هي التي تُنفر من الشيء في وقت من الأوقات ثم تُرغِّب فيه ثانية
من كان أشد الناس بغضًا له كما وقع في) تانها وزر (. 2
والعدوى هي الأصل في انتشار أفكار الجماعات ومعتقداتها لا الحجج والبراهين،
ففي الخمارة تتولد أفكار الفعلة من طريق التوكيد والتكرار والعدوى، وقليلا ما تولدت
أفكار الجماعات في كل عصر من غير هذا الطريق. وقد أصاب (رنان) 3 إذ شبه مؤسسي
النصرانية الأولين، «بالفعلة الاشتراكيين الذين ينشرون مبادئهم من خمارة إلى أخرى»
وقال فولتير 4 قبل ذلك بالنسبة للديانة المسيحية: «إنها استمرت لا يدين بها إلا أخس
الناس مدة مائة عام.»
ويؤخذ من الأمثلة المتقدمة أن العدوى في مثل تلك الأحوال تبتدئ في الطبقات
النازلة ثم تصعد منها إلى الطبقات الرفيعة. ونحن الآن نشاهد هذه الظاهرة في مذهب
الاشتراكيين، لأنه بدأ يمتد بين الذين يخال أنهم سيكونون أول ضحاياه، لكن قوة العدوى
شديدة بحيث يضعف أمامها أثر المنافع الذاتية.
هذا هو السبب في أن الفكر إذا انتشر بين طبقات العامة لا بد له من الانتشار
أيضًا بين طبقات الأمة إلى أرفعها وإن كان فاسدًا بعيدًا عن الصواب. وهنا رد فعل
يشرئب من الطبقات الدنيا إلى الطبقات العليا، وذلك من أغرب المشاهدات الاجتماعية،
لأن الأفكار العامة لا تأتيهم دائمًا إلا من أفكار عالية تختلف عنها أثرها في البيئة التي
ولدت فيها، فيتناولها قائدو الجماعة بعد أن تتمكن منهم ويشوهونها ثم يؤلفون فئة
تزيد في تغييرها، ثم يبثونها في الجماعات، وهذه تضاعف التغيير، ثم تصير حقيقة
عند العامة، وبعد ذلك تصعد إلى منبعها فتتمكن من نفوس الطبقة العالية، وعلى هذا
يكون العقل هو الذي يحكم الدنيا، ولكن من بعد باعد، فقد تفنى عظام الحكماء الذين
يوجدون الأفكار وتصير ترابًا ويمر عليها كذلك الزمن الطويل قبل أن تسود الأفكار التي
أوجدوها.