وحكى أن عمرو بن معاوية ابن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان العتبي رأى رجلًا يسعى برجل عند صديق له فقال له نزه سمعك عن استماع الخنى كما تنزه لسانك عن التكلم به فإن السامع شريك القائل وإنما نظر شرَ ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة ساع إلى فيه لسعد رادها كما شقى قائلها والنمام شر من الساحر فإن النمام يفسد في الساعة الواحدة ما لا يفسد الساحر في المدة الطويلة.
أتى رجل عبد الله بن عباس وهو والي البصرة من قبل علي رضي الله عنه بنميمة فقال له: إن شئت سألنا عما جئت به فإن كنت صادقًا مقتناك، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئت أقلناك، فقال إن شئت أن تفعل فافعل.
وقيل:
توخ من الطرق أوساطها ... = ... وَعُدْ عن الجانب المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح ... = ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع الحديث ... = ... شريك لقائله فانتبه
وَقال أبو الأسود الدؤلي:
لا تقبلنّ نميمة بلغتها ... = ... وتحفظنّ من الذي أنباكها
إنّ الذي ألقى إليك نميمة ... = ... سينمّ عنك بمثلها قد حاكها
بم تكون النَّمِيمَةُ؟
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِحْيَاءِ: اعْلَمْ أَنَّ النَّمِيمَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى مَنْ يَنِمَّ قَوْلَ الْغَيْرِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ يَتَكَلَّمُ فِيكَ بِكَذَا قَالَ وَلَيْسَتِ النَّمِيمَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا بَلْ حَدُّ النَّمِيمَةِ: كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ وَسَوَاءٌ كان الكشف بالنكاية أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَرَهُ فَهُوَ نَمِيمَةٌ.
ما يجب على مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ:
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِحْيَاءِ: وَكُلُّ مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ وَقِيلَ لَهُ فُلَانٌ يَقُولُ فِيكَ أَوْ يَفْعَلُ فِيكَ كذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْصَحَهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُبْغِضَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجِبُ بُغْضُ مَنْ أَبْغَضَهُ الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.