النَّمِيمَةُ تورث الضغائن والأحقاد:
ومن أمثال العرب: (النَّمِيمَةُ أُرْثَةُ العَدَاوَةِ) .
قال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا وأمثاله من ثمرة النميمة، لأنها تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الصد، فمن وُشِىَ إليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول العذر إذا إعتذر، وترك الإكثار من العتب، مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، وعلى الصبر عند الضياع، وعلى المعاتبة عند الإساءة. [1]
من يخبرك بشتم عن أخ ... = ... فهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يواجهك به ... = ... إنما اللوم على من أعلمك
وأما السعاية إلى السلطان، وإلى كل ذي قدرة، فهي المهلكة والحالقة، التي تجمع الخصال الذميمة من الغيبة، وشؤم النميمة والتغرير بالنفوس والأموال في النوازل والأحوال، وتسلب العزيز عزه وتحط المكين عن مكانته، والسيد عن مرتبته؛ فكم دم أراقه سعي ساع، وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تباعدا، وكم متواصلين تقاطعا، وكم من محبين افتراقا، وكم من إلفين تهاجرا، وكم من زوجين تطالقا، فليتق الله ربه عز و جل رجلٌ ساعدته الأيام، وتراخت عنه الأقدار، أن يصغي لساعٍ أو يستمعَ لنمامٍ.
وكان الفضل بن سهل يبغض السعاية وإذا أتاه ساع يقول له: إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك.
وكتب في جواب كتاب ساعٍ: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية؛ لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقًا لكان في صدقه لئيمًا إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة.
وقال بعض الحكماء: الأشرار يتبعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع الأليمة من الجسد ويترك الصحيحة.
قال محمد بن شرف القيرواني يصف نمامًا: [2]
وناصت نحو أفواه الورى أذنًا ... = ... كالقعب يلفظ منها كل ما سقطا
يظل بالقول والأخبار مجتهدًا ... = ... حتى إذا ما وعاها زق ما لقطا
(1) - روضة العقلاء - 1/ 180
(2) - غرر الخصائص الواضحة - رضي الله عنه ص: 68)