بِالْبَصْرَةِ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حُجَّاجًا أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَافَقَنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَبْلَنَا نَاسًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ وَيَقُولُونَ: لَا قَدْرَ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بَرَاءُ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. [1]
ومما يدل على أنَّ غرس العقيدة من الأولويات في هذا الدين ما رواه عبد الله بنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . [2]
وقال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} . [3]
وقال تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} . [4]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» . [5]
إن النشأة في ظل الطاعة وفي كنف العبادة لها أبلغ الأثر على الإنسان طول عمره، إذ أن ذلك يجعله يألف هذه العبادة ويألف أهلها، وتلين بها جوارحه، وتعتاد عليها نفسه وأعضائه، وكم رأينا مَنْ ينفر من الصيام بحجة أنه ما اعتاد عليه، أو يخجل من دخول المساجد لأنه ما تعود على الصلاة صغيرًا، أو يخشى من نظر الناس إليه إذا رأوه
(1) - رَوَاهُ مُسْلِمٌ- كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان- حديث: 34
(2) - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ- كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته، حديث: 6960، وَمُسْلِمٌ- كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، حديث: 53
(3) - سورة لقمان: الآية/ 13
(4) - سورة لقمان: الآية/ 16
(5) - رَوَاهُ أحمد- حديث: 2592، والترمذي- أبواب صفة القيامة والرقائق والورع - باب، حديث: 2500