فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 167

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْعَضْهُ؟» . قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهُمْ» . [1]

والْعَضْهُ يطلق على النميمة، ويطلق على السحر، ويطلق على السخرية، ويطلق على التمزيق، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} . [2]

عن ابن عباس: {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. [3]

ومعنى الحديث: أي أَتَدْرُونَ مَا السحر؟، وَالْعَضْهُ هي السحر، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر السحر في النميمة تحذيرًا منها. ثم قال: هي النميمة، فالنميمة تقطع أواصر المحبة بين الناس، وتقطع وشائج الصلة بين الأهل والجيران، وهي من كبائر الذنوب، وهي سبب للعذاب في القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة، فالنميمة سبب لإفساد المجتمعات، وتدمير البيوتات، فهي كالسحر من حيث التفريق بين الناس، ففيها تفريق، كما أن السحر فيه تفريق. [4]

النميمة من أعظم أسباب العداوة والبغضاء، فهي تعمل عمل السحر في قلب المحبة عداوة في لحظات معدودة لذلك كانت من الكبائر، وكانت الجنة على من اتصف بها محرمة، وكان صاحبها من شر الناس بل هو شرهم لفريقه بين الأحبة، وإفساده ذات البين.

قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: النَّمَّامُ يُفْسِدُ فِي سَاعَةٍ مَا لا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ.

فإذا أتى إنسان لإنسان آخر فقال له مثلًا: (خذ حذرك من فلان فقد سمعته يقول أنه يبغضك، ويقول عنك أنك سيء الأخلاق، وضعيف الشخصية، وبخيل وكذا وكذا ) أقول هل يمكن أن يكون حال مَنْ قيل له هذا الكلام كما كان قبل هذا الكلام؟

لا والله، بل لو كان من بَلَغَهُ هذا الكلام عن أحب الناس إلى قلبه لتحولت محبته إلى بغضاء وعداوة، بقدر هذه المحبة، لذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم (الْعَضْهُ) لأنها تمزق المجتمعات، وتفسد المودات، وتثير العداوات، وليس هناك أدل على تأثر القلب من النميمة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نقل الكلام إليه.

(1) - رواه مسلم- كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النميمة، حديث: 4824، والبخاري- في الأدب المفرد، باب المستبان ما قالا فعلى الأول، حديث: 438، والبيهقي في السنن كتاب الشهادات، باب من عضه غيره بحد أو نفي نسب ردت شهادته، حديث: 19684،

(2) - سورة الحجر: الآية/91

(3) - تفسير ابن كثير - 4/ 549

(4) - المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه - 2/ 476

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت