فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 167

والكسائي في ذلك، ورد سيبويه بغداد على يحيى البرمكي، فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة، فقال له: كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور؛ فإذا هو هي؛ أو هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: أخطأتَ! العربُ ترفع ذلك وتنصبه، وجعل يورد عليه أمثلةً؛ من ذلك: خرجت فإذا زيد قائم أو قائمًا، وسيبويه يمنع النصب، فقال يحيى: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: هذه العرب ببابك قد وفدوا عليك؛ وهم فصحاء الناس؛ فاسألهم، فقال يحيى: أنصفت، وأحضروا فسئلوا، فاتبعوا الكسائي، فاستكان سيبويه، وقال: أيها الوزير، سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري عليه، وكانوا إنما قالوا: الصواب ما قاله هذا الشيخ؛ فقال الكسائي ليحيى: أصلح الله الوزير! إنه قد وفد إليك من بلده مؤملًا، فإن رأيت ألا ترده خائبًا! فأمر له بعشرة آلاف درهم؛ فخرج إلى فارس. [1]

والشاهد في القصة قول سيبويه ليحيى البرمكي أيها الوزير: (سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري عليه) لأنهم عرب خلص ومن كان على شاكلتهم كان لمعاني القرآن أعرف، وبتفسيره أعلم، ومع ذلك لا يجوز لهؤلاء أن يفسر أحدهم القرآن برأيه، فضلا عمن بعدهم ممن قل علمهم، واعوجت بالعجمى ألسنتهم، وما عاصروا التنزيل، وفاتهم معرفة أسباب النزول.

ولقد كان السلف عليهم رضوان الله من أشد الناس تحرجًا في تفسير القرآن، مع غزارة علمهم، وجودة قرائحهم، واستقامة لغتهم، فعن إبراهيم التَّيْمِي؛ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سُئل عن قوله: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} . [2]

فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.

وعن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} . [3]

فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأَبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.

وعن ابن أبي مُلَيْكَة: أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها.

وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: سأل رجلُ عبد الله بن عباس عن {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} . [4]

فقال له عبد الله بن عباس: فما {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟ [5]

(1) - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة - 2/ 130

(2) - سورة عبس: الآية/ 31

(3) - سورة عبس::الآية/ 31

(4) - سورة السجدة: الآية/ 5

(5) - سورة المعارج: الآية/4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت