الصفحة 98 من 408

وكانت تعاليم ماني مزيجا من الديانة المسيحية والزردشتية، وهي كما يقول الأستاذ (برون) : «أن تعد زردشتية منصرة أقرب من أن تعد نصرانية مزردشة» ..

ومن ذلك يتضح أن خلاصة مذهبه، أن العالم نشا كما قال زردشت عن أصلين وهما: النور والظلمة، وعن النور نشا كل خير، وعن الظلمة نشا كل شر، والنور لا يقدر على الشر، والظلمة لا تقدر على الخير، وما يصدر عن الإنسان من خير فمصدره إلى الخير وما يصدر من شر فمصدره إله الشر، فإن هو نظر نظرة رحمة فتلك النظرة من الخير والنور، ومتى نظر نظرة نسوة فتلك النظرة من الشر والظلمة؛ وكذلك جميع الحواس، وقد امتزج الخير والشر في هذا العالم امتزاجة تامة.

وهو في هذا لا يخرج كثيرة عن تعاليم زردشت، ولكن يخالفه بعد في أمر جوهري: هو أن زردشت کان پري: أن هذا العالم الحاضر عالم خير، لما فيه من مظاهر نصرة الخير على الشر، في حين أن ماني پرى أن نفس الامتزاج شر بجب الخلاص منه، وزردشت پرى أن يعيش الإنسان عيشة طبيعية فيتزوج وينسل ويعني بزرعه ونسله وماشيته ويقوي بدنه ولا يصوم، وأنه بهذه المعيشة بنصر إلى الخير على إله الشر، وأما ماني فنزع منزعة آخر هو أشبه ما يكون بالرهبنة.

فقد رأى ماني أن امتزاج النور بالظلمة في هذا العالم شر، ومن أجل هذا حرم النكاح حتى يستعجل الفناء، ودعا إلى الزهد، وشرع الصيام سبعة أيام في كل شهر، وفرض صلوات كثيرة يقوم الرجل فيغتسل بالماء ويستقبل الشمس قائمة، ثم يقوم ويسجد وهكذا، اثنتي عشرة سجدة، يقول في كل سجدة منها دعاء، ونهى أصحابه عن ذبح الحيوان لما فيه من إيلام، وأقر بنبوة عيسى وزردشت (1)

(1) فجر الإسلام (131 - 132) والملل والنحل للشهرستاني (2/ 81 - 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت