المحافظة عليها، وعلى أدوات الري والزرع، فأعان أهلها لإصلاح حالهم وأمدهم بالمواشي، وأعيد بناء القرى التي خربت وأقيمت الجسور الخشبية التي كسرت وبنيت الجسور الحجرية التي انهارت، ثم أقيمت الحصون في الأماكن المعرضة للعدو.
لقد أخذت المزدكية فيما بعد تتخذ رويدا رويدا طابع نظرية اجتماعية ثورية وهي تنتشر في الطبقات الدنيا من المجتمع، وقد بقي أساسها الديني وكان لها دائما أنصار بين الطبقات العالية؛ وأخيرا أحست الجماعة المزدكية بالقوة الكافية لإنشاء المراتب الدينية، فكانوا ينتخبون رئيسا بدعي: المستشار) أو (المعلم) ، وبقيت المزدكية فرقة سرية وعاشت على هذا النحو أيام الدولة الساسانية، ثم عادت إلى الظهور من جديد في العصور الإسلامية.
نرى من هذا أن تعاليم مزدك اشتراكية من أسبق الاشتراكبات في العالم، ويقول الأستاذ نولدکه: «إن الذي يميز مزدك عن الاشتراكية الحديثة ما لتعاليمه من الصبغة الدينية» ، وقد كانت له تعاليم روحية أخرى، فقد كان يعلم القناعة والزهد وحرمة الحيوان فلا يذبح.
وقد اعتنق مذهبه الآلاف من الناس، ولكن قباد نگل به أخيرة وبقومه ودبر لهم مذبحة سنة (523 م) كاد أن يستأصلهم بها.
مع هذا ظل قوم يتبعون مذهبه حتى إلى ما بعد الإسلام، وذكر الإصطخري وابن حوقل: أن سكان بعض قرى (کرمان) كانوا يعتنقون المزدكية على عهد الدولة الأموية (1) .
كان الفرس مبالين إلى عبادة المظاهر الطبيعية، فالسماء الصافية والضوء والنار والهواء والماء، جذبت أنظارهم وجعلتهم يعبدونها على أنها
(1) انظر فجر الإسلام (1/ 137 - 138) .