الصفحة 394 من 408

وكان يثق ثقة مطلقة بنفسه، فلا يفسح مجالا لفائدء الأعلى أن يتدخل في صلاحياته الخاصة ولا يريه استكانة وضعفة ما دام يرى نفسه على الحق. كتب الحجاج إلى المهلب بستبطنه في مناجزة الخوارج ويستعجزه، فحبس المهلب رسول الحجاج أيامأ حتى رأي صنع الخوارج وجلدهم وثباتهم، وكتب إلى الحجاج يقول: «إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، فإن كنت نصبتني لحرب هؤلاء القوم على أن أديرها كما أرى، فإن أمكنتني فرصة انتهزتها، وإن لم تمکني توقفت، فأنا أدير ذلك بما يصلحه، وإن أردت مني أن أعمل وأنا حاضر برأيك وأنت غائب، فإن كان صوابا فلك وإن كان خطأ فعلي، فابعث من رأيت مكاني؛ والسلام (1) ... وهذا منتهي الاعتداد بالنفس والحرص على حرية العمل دون تدخل من المرجع الأعلى بلا مسوغ حتى ولو كان هذا المرجع الأعلى الحجاج بسطوته وسيطرته وقوة شخصيته.

وكان يؤمن بالحرب العادلة ولا يؤمن بالعدوان، فكان يوصي بنيه بقوله: الا تبدؤوهم بقتال حتى يبدؤوكم فيبغوا عليكم، فإنهم إذا بغوا صرتم عليهم (2) .

وكان يعرف قيمة المعلومات عن العدو وعن طبيعة الأرض التي يقاتل فيها، ويرسل الجواسيس لتزويده بتفاصيل الحالة المادية والمعنوية للعدو، حتى يقاتلهم على بينة من أمره، كما فعل في إرسال الجواسيس إلى معسكر الخوارج في الأهواز (3) وكما كان يفعل تمهيدا لكل معركة يخوضها.

وكان لا يهتم بعدد الجنود بقدر ما كان يهتم بنوعيتهم، فكان يفضل

(1) طبقات ابن سعد (7/ 94) .

(2) وفيات الأعيان (2/ 187) ، وانظر شذرات الذهب (78/ 1) وطبقات ابن سعد (7/ 90) والكامل للمبرد (1/ 38) .

(3) ابن الأثير (4/ 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت