أثر الطب الإغريقي يظهر في كل ناحية، وهناك ثلاث طرق للعلاج كما يقول الطب البقراطي، فما لا تنجع فيه الأدوية يشفي بالحديد (أي بالجراحة) ، وما لا ينجح فيه الحديد يشفي بالكي (النار) ، وأما المرض الذي لا يمكن علاجه بالكي فإنه مستعص لا علاج له.
والطبيب الحاذق هو الذي يغني عناية فائقة بمرضاه، والذي يطلع كثيرة، وعليه أن يعرف أعضاء الجسد والمفاصل وأن يعرف الأدوية، وأن يكون رقيق الحاشية، حلو الحديث، صبورة مع المرضى.
وطبيب الروح الماهر الذي يتبع رجال الدين، وطبيب الجسد الماهر، يجب أن يثبتا كفايتهما، وعلى طبيب الجسم أن يكون قد عالج کافرة حتى يجوز له أن يمارس مهنته في تطبيب المؤمنين، فإذا عالج ثلاثة أشخاص فماتوا فإنه يحرم نهائيا من ممارسة مهنته، والطبيب ملزم بعبادة المريض كل يوم طوال المدة اللازمة للعلاج، وله في نظير ذلك أن يقدم له غذاء فاخر وحصان سريع و مسکن أنيق في موقع عامر، ولكن عليه ألا يسرف في حب المال. ومن ناحيتي الأخلاق والدين كان هناك عدة أصناف من الأطباء وخيرهم من يمارس مهنته بالشفقة الدينية المحضة، ويأتي بعده من يتوسط بين الرحمة التي يقول بها الدين وحب المال، ولكنه يكون أميل إلى الرحمة، ثم يأتي من يؤثر المال، وهكذا.
كان رجال الدين الزردشتيون شديدي التعصب، ولكن مثار تعصبهم كان لأسباب سياسية خاصة، ولم يكن الدين الزردشتي دين دعاية، فلم يكن رؤساؤه مملوئين بالحماسة لبث سعادة الأرواح في العالم كافة، ولكنهم ادعوا السيادة المطلقة في داخل حدود الدولة، وكانوا لا يطمئنون كثيرة إلى من يدينون بدين آخر، وخاصة إذا انتموا إلى دين دولة أجنبة قوية، وكان في إيران جماعة من يهود ولكنهم لم يكونوا خطرة على سلطة رجال الدين الزردشتيين، كما انتشرت النصرانية على نطاق ضيق في كل مكان من إيران.