الصفحة 108 من 408

واتصل مزدك بالملك (قباد) ، وقد ذكر الثعالبي والفردوسي، أن مزدك استطاع أثناء قحط، أن يستدرج قباد بالأسئلة الماكرة إلى أن يعلن أن من منع رجلا من الطعام والشراب ينبغي أن يقتل به، فخرج مزدك عند ذلك فقال للسوقة المتجمعين حول القصر: إن الملك قد أباح لكم ما في الإمراء من الغلات، فابسطوا أيدكم، وأينما وجدتم شيئا فاستبيحوه (1) .

ونستطيع بدراسة عميقة لما في أيدينا من تاريخ المزدكية أن نكون الأنفسنا فكرة تقريبية عن هذه الحركة أثناء حكم قباد المديد. كانت المزدكية في الأصل مذهبة دينية، ولم يكن المظهر المذهب الاجتماعي إلا شان قليل فيه، والقوانين التي أصدرها قباد في المدة الأولى من حكمة ليحقق إلى حد ما المثل الأعلى الدنيوي للمزدكية، كانت في الحقيقة قوانين ثورية. كانت المبادئ الشيوعية قد بدأت تتأصل في السوقة، وكانوا منذ أجيال في ضيق من ظلم الطبقات المتميزة، وقد انتشرت هذه المبادئ بطيئة في أول الأمر، ثم لم تلبث أن أسرعت، وظهرت أعمال لا تنطوي على الرحمة الدينية ولا تتمثل فيها النزاهة عن الهوى، واستفحل الاستيلاء، وجزا السوقة التكاثر، فبدأوا العدوان؛ ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن العبارة الآتية من كتاب (تنسر) تعبر عن هذا الحال (2) : «فإذا حجاب الحفاظ والأدب قد ارتفع، وظهر قوم لا يتحلون بشرف الفن أو العمل، لا ضياع لهم موروثة ولا حسب ولا نسب ولا حرفة ولا صناعة، عاطلون مستعدون للغمز والشر وبث الكذب والافتراء، بل هم من ذلك يحيون في رغد من العيش وسعة

المال».

وهكذا عم التطاول في كل مكان، واقتحم الثوار قصور الأشراف ناهبين الأموال مغتصبين الحرائر، وكانوا يملكون هنا وهناك أراضي قد بارت، لأن السادة المحدد لا يعرفون الزراعة.

(1) الملل والنحل (2/ 89 - 88)

(2) دار مستر (210) و (219) ، مينوي (13) ، الترجمة العربية للخشاب (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت