الهامة، ثم أخذوا في تأمين الاتصال فيما بينها مع التوسع التدريجي للسيطرة على الحصون الهامة والمواقع الرئيسية، وبذل الجهود باستمرار للإفادة من كل ضعف يظهره المسلمون لتطوير عملية «الضم الزاحفه، ثم جاء التحول، فبدأ اصلاح الدين بتحرير القدس والمدن الداخلية، التي كانت تعيق اتصال المسلمين في مصر وبلاد الشام، وتطورت عملية التحرير الزاحف في الاتجاه المضاد، من الداخل في اتجاه الساحل، حتى لم يبق بعد معركة عين جالوت) وانتهاء عهد «الظاهر بيبرس» سوي مدن قليلة وبعض المواقع الثانوية.
وقد لا تكون هناك حاجة للقول إن هذا التحول لم يكن بسبب انتصار المسلمين في احطين، وفي اعين جالوت»، ولو أنهما حددتا زمنية هذا التحول، وإنما كان نتيجة لحروب الاستنزاف الطويلة التي قادها المسلمون وأظهروا فيها تصميمهم وعنادهم على متابعة الجهاد حتى النصر، وحتى تحرير البلاد من هجمات الغرباء البرابرة. ولقد أثرت حروب الاستنزاف التي مهدت للمعارك الحاسمة إلى تكوين قناعات في الغرب بعدم جدوى هذه الحملات، وأنه من المحال الإبقاء على البناء الضخم الذي حشد الغرب كل إمكاناته وقدراته الإقامته، وعلى هذا، وبالرغم من تجدد الدعوة الصليبية بعد كل انتصار للمسلمين، وبالرغم من استمرار تدفق الحملات لمنح الكيانات دمة جديدة يساعدها على البقاء والاستمرار، إلا أن استنزاف قدرات هذه الحملات قد أقنعها، في النهاية، وأقنع قادتها؛ بأن كل الجهود إنما تصطدم بجدار صلب لا سبيل لإضعافه أو النيل منه، وأن مصير هذا البناء في النهاية هو الانهيار الحتمي، ويصبح من الطبيعي إيجاد التفسير الصحيح لفتور الحماسة وضعف العاطفة الصليبية، التي أدت في النهاية إلى انحراف الحملات الصليبية عن أهدافها، كالحملة الرابعة التي توجهت إلى بيزنطة أو حملة الأطفال أو حملة ملك فرنسا على تونس.
وفي إطار حرب الاستنزاف هذه، كان من المحال على قادة العرب المسلمين التفكير في الحسم الشامل للصراع بمعركة واحدة، ولكن ذلك لم يكن يتعارض مع عملية البحث المستمر عن النصر الموضعي أو النصر المحدود، وكانت محصلة الانتصارات هي الطريق للنصر الشامل. ومن هنا، فقد رسمت الحروب الصليبية كل أبعاد الحرب طويلة الأمد قبل أن يعرف العالم نظرية «الحرب طويلة الأمد» بأكثر من سبعة قرون، وحددت جماهير المسلمين هذه النظرية عندما