وكتب صلاح الدين لأخيه اتوران شاه يقول: «لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريدها.
ومهما كان عليه الموقف، فقد تغير ميزان القوى عما كان عليه من قبل. وبعد أن كان نور الدين زنكي يهاجم إمارات الفرنج للتخفيف من الضغط الذي تتعرض له مصر بسبب هجوم الفرنج عليها، أصبح الموقف في عهد صلاح الدين مغايرة تماما، فقد أصبحت مصر قاعدة قوية تنطلق منها الهجمات على حدود بلاد الفرنج للتخفيف من الضغط الذي تتعرض له بلاد الشام بسبب هجوم الفرنج عليها.
وفي الوقت ذاته، انتقل الفرنج من الهجوم الاستراتيجي إلى الدفاع الاستراتيجي. فقد انصرف ملك بيت المقدس «بلدوين» لتشييد استحکامات متينة على امتداد حد إمارة دمشق، حيث أدى ضياع بانياس إلى قلب نظام الدفاع عن المملكة رأسا على عقب، بينما انصرف سيد تبنين إلى تحصين «ثل هونين» على الطريق الممتد من بانياس إلى تبنين، وشرع ملك مملكة بيت المقدس بتشييد قلعة على المجرى الأعلى لنهر الأردن (بين بحيرة الحولة وبحر الجليل) حتى تتحكم بالمخاضة (وهي التي أطلق عليها الفرنج اسم مخاضة الأحزان) .
وكان المزارعون المسلمون قبل إقامة القلعة يتنقلون بحرية وفقا للاتفاقات المعقودة بين المسلمين والفرنج، وجاء تشييد القلعة ليحد من حرية تنقلهم، فتقدم المسلمون النازلون بهذه الجهات بالشكوى إلى صلاح الدين عن نقض الفرنج للعهد والأيمان، فعرض صلاح الدين على ملك مملكة بيت المقدس
بلدوين» ستين ألف دينار، ثم مائة ألف دينار ليثنيه عن العمل، ولكن «بلدوين رفض هذا العرض نتيجة خضوعه لمقدم الفرسان الداوية، فأقسم صلاح الدين بأنه سوف يبادر إلى اتخاذ إجراء لمنعه.
أنهى صلاح الدين استعداداته في مصر وأعاد تنظيم جيشه، وعاد إلى بلاد الشام في أواخر ربيع (1178 م) ، وقام بمجموعة من الإغارات ردا على الأعمال العدوانية التي كان يقوم بها الفرنج على بلاد المسلمين (حارم وحماة وحمص) .
وفي ذي القعدة (574 ه) ربيع (1179 م) اجتمع الفرنج وساروا إلى دمشق فأغاروا على حدودها فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا، فأرسل صلاح الدين لقتالهم قوة بقيادة ابن أخيه (فرخشاه) ، وأمره أن يعلمه فور الاشتباك بقوات الفرنج ليتقدم ويدعمه، كما أمره أن يطلب من أهل البلاد النزوح من بين يدي الفرنج.
وتصادف مرور قطعان من الغنم قادمة من سهول دمشق نحو بانياس، فنهض