فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 654

وبدأ صلاح الدين بعزل قضاة مصر الشيعة وقطع أرزاقهم وشرد الدعاة، وألغى مجالس دعوتهم، وأزال أصول المذهب الشيعي مثل «الأذان بحبي على خير العمل، بدلا من الأذان بحيي علي الفلاح، والجهر بالبسملة في الصلاة، ومنع صلاة الضحى والتراويح والصيام على أساس أن شهر رمضان ثلاثين يوما. بل حذف من النقش الديني على العملة المتداولة بين الناس صيغة العقيدة الشيعية: (علي ولي الله) . ثم أخذ في إبراز نسب الفاطميين على أنهم من نسل المجوس أو اليهود، وإن زعموا أنهم علويون، حتى لا ينسبوا إلى بيت النبي. كذلك منع صلاة الجمع بالجامع الأزهر وبجامع الحاكم، حيث استمر هذا المنع مائة عام إلى أن جاء المماليك ليعيدوها إلى الجامعين، كما أنه كان يخطب النور الدين بعد العاضد في الجوامع الأخرى.

وفي الوقت ذاته جعل صلاح الدين همه عودة مذهبي الشئة، الشافعي ومالك، إلى انتشارهما الأول قبل مجيء الفاطميين، فأخذ في بناء مدارس التدريس المذهبين السنيين، ليس فقط في القاهرة، وإنما أيضا في جميع أنحاء القطر، مع أنه لم يكن للمذاهب غير الشيعية شيء من المدارس (1) . ونتيجة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

= التشريع الشيعي، فعينت لهذا الغرض 30 فقيها بالجامع الأزهر الذي بدئ في بنائه منذ أيام المعز، كما كان وزراء الخلافة وقضاتها يقرؤون شروحة من تأليفهم عن التشريع الشيعي. وفي أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الثالث بمصر، وضع نظام دقيق لتحويل المصريين، وبخاصة الموظفين منهم، إلى المذهب الرسمي، إذ كان لا بد، لكي يبقوا في وظائفهم، أن يكون لهم على الأقل ميول شيعية، فعين الحاكم للدعوة الفاطمية، أو ما عرف أيضا بالدعوة الهادية، من يشرف عليها في القاهرة والأقاليم، وظهرت لأول مرة بين وظائف الخلافة الكبرى وظيفة (داعي الدعاة) التي تأتي في المرئية بعد قاضي القضاة، حيث كان له مجلس يتكون من اثني عشر نقيبة هم رؤساء الدعوة، ودعاة يتبعونهم وينتشرون في جميع أجزاء مصر وبلاد الخلافة التابعة لها کنواب القضاء، حتى أن أقاليم الدعوة عرفت بالجزائر لانتشارها. (الخطط للمقريزي 4/ 159،157، القاهرة 1329 ه) .

(1) اترتب على تنظيم الدعوة الفاطمية أنها لم تعد شرحا للتشريع فحسب، وهو ما عرف «بالظاهر» ،

وإنما اشتملت أيضا على ما عرف بالدعوة الباطنية، بمعنى تأويل نصوص القرآن والحديث بمعرفة ما وراء معاني الألفاظ بهدف توطيد حق الإمامة الفاطمية بطريقة إيمانية (عقائدية) غير قابلة للنقاش، فتحولت نصوص القرآن والحديث إلى أدوات طبعة لشابيد إمامتهم ومذهبهم. وبعد أن كانت الدعوة دعوة واحدة علنية، أصبحت درجات، عددها سبع أو تسع درجات، دعوة بعد دعوة، ودخلنها آراء فلسفية وجدلية، كما أن المستجيب لم يعد مجرد مستمع، وإنما كان عليه أن يقسم يمينا للمذهب (العهد) مؤداه سر كل ما سمعه، وألا يقدم مساعدة لأعداء الفاطميين، فكانت هذه الدعوة الباطنية تدرس على الخصوص في دار العلم أو الحكمة، التي -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت