قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ، والاعتصام وهو تمسك العبد بما يعصمه ويمنعه من المحذور والمخوف، ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله فإنه يعصم من الهلكة؛ والاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام بحيله هو الاعتصام بكتابه وسنة نبيه، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.
ومن استقرأ أخبار الأمم بمللهم ونحلهم وطوائفهم؛ تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف والزيغ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك إذ يقول تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ، وكذلك من اقتفى آثارهم وسار على منهاجهم واعتقد معتقدهم من أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى سائر الطوائف والفرق من أمة الإسلام، كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعا على الهدى وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة، لأنهم أكمل اعتصاما بحبل الله الذي هو كتابه المنزل وما جاء به من عنده نبيه المرسل، وكل من كان أقرب إلى الاعتصام بالكتاب والسنة كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة والأهواء.
وإذا تبين هذا الأصل الأصيل؛ فإن الخلاف أمر لازم للخلقة البشرية، وقد وقع في المسائل العلمية والعملية حتى بين الصحابة والتابعين من سلف الأمة، إلا أنهم اعتصموا بهذا الأصل وبقيت بينهم الأخوة والألفة، معتقدين جزما بأن الحل والعصمة في رد النزاع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بتوحيد الطلب والمطلوب وابتغاء الحق وحده، غير مائلين عنه لقول قائل غير الرسول كائنا من كان، بل كانوا يتأولون لمن أخطأ منهم، فليس كل من أخطأ يبدع ويهجر، بل لا