فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 111

فالآية الأولى مطلقة في حق التائبين من أي ذنب، فإن التائب من الشرك يغفر له أيضا بنصوص القرآن واتفاق المسلمين، وأما الثانية فلا يجوز أن تكون في حق التائبين كما يدعيه بعض الوعيدية كالمعتزلة والخوارج، فإنه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره وما عداه لم يجزم بمغفرته؛ بل علقه بالمشيئة، فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك؛ لكنها لبعض الناس، وحينئذ فمن غفر له لم يعذب ومن لم يغفر له عذب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار وبعضهم يغفر له، كل بحسب ما يستحق.

والمقصود أن الداعي إلى البدعة ليس دون الداعي إلى الكفر ولا مثله، فإذا كان الله يقبل توبة من دعا إلى الكفر وحارب الرسول وقتل من المؤمنين من قتل؛ فكيف بتوبة الداعي إلى البدعة، والذي كثيرا ما يكون معذورا، وحتى وإن لم يتب فقد يقبل الله توبته ما دام لم تثبت في حقه الحجة التي توجب تكفيره، فإنه حينئذ لن يغفر له إلا إذا تاب، وفي قول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى كفاية لمن تدبره:"وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعا، وفيها رد على طوائف؛ رد على من يقول إن الداعي إلى البدعة لا تقبل توبته، ويحتجون بحديث إسرائيلي فيه:"أنه قيل لذلك الداعية فكيف بمن أضللت؟ وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث وليسوا من العلماء بذلك؛ كأبي علي الأهوازي وأمثاله ممن لا يميزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة وما يحتج به وما لا يحتج به؛ بل يروون كل ما في الباب محتجين به، وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه، وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعي إلى الكفر وتوبة من فتن الناس عن دينهم، وقد تاب قادة الأحزاب؛ مثل أبي سفيان بن حرب والحارث ابن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت