إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة كلها؛ لأنها توبة غير موثوق بها، وحتى ولو كانت توبة نصوحا فإن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود والفساد في الأرض؛ ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل القدرة عليه بخلاف من أسلم بعد الأسر فإنه لا يمنع استرقاقه وإن عصم دمه، وكذلك من تاب من أصحاب الخمر أو الزنا أو السرقة بعد القدرة عليه؛ فإنه يحد وإن كانت توبته نصوحا، والله أعلم.
وإذا تبين هذا الأصل فإنه قد يقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من يكون عذابه في الآخرة أشد إذا لم يتعد ضرره إلى غيره؛ كالذين يؤتون الجزية عن يد وهم صاغرون والذين أظهروا الإسلام والتزموا شرائعه ظاهرا مع نفاقهم؛ لأن هذين الصنفين كفوا ضررهم في الدين والدنيا عن المسلمين ويعاقبون في الآخرة على ما اكتسبوه من الكفر والنفاق، وأما من أظهر ما فيه مضرة للناس فإنه تدفع مضرته ولو بعقابه في الدنيا؛ وإن كان مسلما فاسقا أو عاصيا أو داعيا إلى بدعة أو عدلا مجتهدا مخطئا بل صالحا أو عالما، وقد يكون معذورا، وإن كان حال هؤلاء في الآخرة أحسن من حال الكفار أصحاب الجزية والمنافقين بلا ريب.
وعلى هذا فما كان من عقوبة الداعي إلى البدع من هجره وعدم قبول شهادته أو الرواية عنه، وترك الصلاة خلفه وعدم أخذ العلم عنه أو استفتائه، قد يكون من هذا الباب؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها، وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا، والله أعلم.