وإذ تبين هذا فإن عقوبة الداعي إلى البدع بأي نوع من أنواع العقوبات ليست دليلا على كفره، ولا على استحقاقه للإثم، فإنه قد يكون معذورا، كما قال شيخ الإسلام في المجموع:"وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم؛ وإن كان قد يكون معذورا فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد"، وقال أيضا:"فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول في الدنيا من لا يستحقها في الآخرة وتكون في حقه من جملة المصائب كما قيل في بعضهم: القاتل مجاهد والمقتول شهيد، وعلى هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ولا يستفتى ولا يصلى خلفه قد يكون من هذا الباب؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا؛ إذ الهجرة مقصودها أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها وإما عقوبة فاعلها ونكاله".
كما لا يجب أن نحط من قدر من ثبت فضله من أهل العلم والصلاح لبدعة أو منكر فعلوه، حتى وإن عوقبوا في الدنيا بالهجر أو القتل فإنهم يظلون على العدالة والصلاح، ويرجى لهم الخير في الآخرة، وهذا له نظير في الثلاثة الذين خلفوا وفيمن أجاب في محنة خلق القرآن قبل القيد ولمن تاب بعدها من أهل العلم، قال شيخ الإسلام:"ومن هذا الباب هجر الإمام أحمد للذين أجابوا في المحنة قبل القيد ولمن تاب بعد الإجابة ولمن فعل بدعة ما؛ مع أن فيهم أئمة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة؛ فإن هجره لهم والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرهم لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق، حتى قد قيل إن اثنين منهما شهدا بدرا وقد قال الله لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه"