وكجمع الصحابة القرآن في مصحف واحد، وكمداومتهم رضوان الله عليهم على قيام رمضان في المسجد جماعة، ونحو هذا كثير، فأصلها مأمور به أمر إيجاب أو استحباب لكن لم يكن مقتضاها قائما أو وجد مانع منع من فعلها.
ذلك أن كتابة القرآن مشروعة قد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يجمعه في مصحف واحد، لأن نزوله لم يكن قد تم بعد، وكانت الآية قد تنسخ بعد نزولها، فلوجود الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات، واستحالت الزيادة فيه أو نسخه بانقطاع الوحي، وأما كتابة الحديث فنهى عنها أولا، حيث شرع صلى الله عليه وسلم كتابة القرآن فقط فقال:"لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وذلك منسوخ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا، وبإذنه لأبي شاه أن يكتب له خطبته عام الفتح، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لما استعمله على نجران وبغير ذلك.
وكذلك صلاة التراويح، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، وقام في أول الشهر بهم ليلتين، وقام في آخر الشهر ليالي، وكان الناس يصلون على عهده في المسجد فرادى وجماعات، لكن لم يداوم بهم على الجماعة خشية أن تفرض عليهم، وقد أمن ذلك بموته، وإذ قد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه الترمذي وغيره:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة"، فما سنه الخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية ينهى عنها، وإن كان يسمى في اللغة بدعة لكونه ابتدئ، كما قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل.