فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل يكون كلاهما موافقا الشريعة على صراط مستقيم.
فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة، وإلا كان ضالًا عن الطريق، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه، والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجرًا، ضالًا عن الطريق، فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم، وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.
والواجب تسليط العلم على القول والفعل والحال والعادة وتحكيمه عليها وأن لا يعارض بها، وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم، ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا ملازما لها يحجمها عن الضلال والبغي، وكثير من المسلمين إذا لاحت له بارقة أو غلبه حال أو ذوق أو غضب أو هوى أو مصلحة دنيوية أو مألوفاته؛ خلى العلم وراء ظهره ونبذه وراءه ظهريا، وحكم عليه الحال والعادة والهوى، وألقاه في كل واد يهيم، هذا حال أكثر الأفراد والطوائف؛ وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ الذين هم شيوخا حقا من سلف الأمة وخلفها؛ بالعلم والتمسك به، قال شيخ الإسلام في الدرء:"ولا ريب من أن قدم على كلام الله ورسوله وما يعارضه من معقول أو غيره وترك ما يلزمه من الإيمان به كما آمن بما يناقضه فقد آمن ببعض وكفر ببعض، وهذا حقيقة حال أهل البدع كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم: مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب".