وبيان هذا أن يقال: إن الله سبحانه وصف المعرضين عن الوحي المعارضين له بعقولهم وآرائهم وسياساتهم بالجهل والضلال والحيرة والشك والعمى والريب، فلا يجوز وصفهم بالعلم والعقل والهدى، ومنشأ ضلال هؤلاء من شيئين: الإعراض عما جاء به الرسول، ومعارضته بما يناقضه، وهذا أصل الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة، وهو أصل كل فساد في الدين والدنيا، فمن عارض الرسول فهو من أهل الجهل المركب، ومن أعرض عما جاء به الرسول فلم يعرفه لكن لم يعارضه بمعقول أو رأي فهو من أهل الجهل البسيط، وهو أصل المركب، فإن القلب إذا كان خاليا من معرفة الحق واعتقاده والتصديق به ومحبته كان معرضا لاعتقاد نقيضه من الباطل والتصديق به لا محال، ومن لم يكن على طريقة أهل الهدى كان على طريقة أهل الضلال.
ثم إن طريقة أهل الأهواء والبدع تجعل من أصحابها من الخلف أحذق وأعلم من السلف، فيصفونهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، ويصفون السلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه وحتى الخطأ والجهل، وأحسن أحوالهم أن يعتذروا لهم في التقصير والتفريط، ولا ريب أن هذا ميراث بالتعصيب أخذوه عن الرافضة، وشعبة من شعب الضلال والنفاق، فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف -كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج-، ولا تفسيقا لهم -كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرهم- كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي وتضييع الدين، وحاصله جعل أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة.
ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد