قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها وينشأ الكتاب عليها، وتحرر وتختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه، فسرني ذلك واستحسنت ما رأيت، فجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إليَّ، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرار ثلاثًا، وفيه قال المهتدي لصالح: أقول: إنك استحسنت ما رأيت منا، قلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: (القرآن مخلوق) فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك؟ وهل تموتين إلا مرة؟ وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل؟
فقلت: يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت فأطرق مليًا ثم قال: ويحك؟ اسمع مني ما أقول فوالله لتسمعن الحق، فسري عني فقلت: يا سيدي ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين [1] ، وابن عم سيد المرسلين.
فقال: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق، حتى أقدم أحمد ابن أبي دؤاد علينا شيخًا من أهل الشام من أهل أذنه، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدًا، وهو جميل الوجه تام القامة حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلّم الشيخ فأحسن ودعا فأبلغ، فقال له الواثق: اجلس فجلس. فقال: يا شيخ: ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقلّ ويصبأ ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد
(1) قد أنكر هذا اللفظ شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، قال أبو جعفر الطبري في تفسير قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة .. } أي مستخلف في الأرض خليفة ومصير فيها خلفًا، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة لأنه خلف الذي كان قبله. ج1/ 199.
وقال ابن كثير: أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} 10/ 99.