فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال من كُفَّر بعينه، فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه، ومن لم يكفّر بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم). ثم أورد بعد ذلك الأدلة على هذا الأصل [1] .
وأقول: إن ما فعله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله مع خصومه
-الذين آذوه بالحبس والضرب، وقتلوا من قتلوا من علماء السنة- من تحليلهم
مما صنعوه به، بل الدعاء للخليفة والاستغفار له يوضح للقارئ زيف دعوى
(الخليلي) وافتراءه من أن القضية بين المعتزلة، وأهل الحديث والسنة، أنها
قضية عواطف وتشفٍّ من بعضهم البعض، وليست مسألة حق وباطل؛
لأن أسلوب التشفي هو أسلوب أهل الحقد الظلمة، الذين يعلمون أنهم
أهل باطل يريدون هدم الإسلام، والفتك بأهله لا سيما علماؤهم، لأنهم
على يقين بأنه لا يرد باطلهم ويكشف تلبيسهم ومغالطاتهم إلا العلماء من
أهل السنة، ولذلك يقسون عليهم ويبطشون بهم إذا سنحت لهم الفرصة
ودالت لهم الدولة، كما حدث من المعتزلة حينما لبَّسوا على المأمون والمعتصم وحملوهم على القول بخلق القرآن، ودعوة علماء السنة إلى تلك البدعة. وأما أهل السنة الدعاة إلى كتاب الله وسنة رسوله ? والأخذ بما جاء فيهما اعتقادًا وعملًا، فإنهم لا ينتقمون ممن ظلمهم وقسا عليهم ونكل بهم إذا دالت لهم الدولة، وإنما أسلوبهم العفو عند المقدرة كما فعل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وذلك اقتداءً بنبيهم محمد ? فقد أخرجه الكفار من مكة المكرمة بعد تآمرهم على قتله كما قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال 30] وقد أخرجوه من مكة كما قال تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ
(1) الفتاوى (12/ 488 ـ 489) .